بالخضوع - ها هنا - ما كان مقترنًا بالمحبة والتعظيم كما هو ظاهر عبارة أبي يعلى في قوله: (نهاية ما يمكن من التذلل والخضوع) فنهاية الخضوع وكماله لا تتحقق إلا بالمحبة والتعظيم.
وأما ابن تيمية وابن القيم فقد عرّفا العبادة بما يحبه الله ويرضاه باعتبار أن العبادة هي أعلى مراتب الحبّ .. ولذا يقول ابن تيمية: (فأصل المحبة المحمودة التي أمر الله بها، وخَلقَ لأجلها، هي ما في عبادته وحده لا شريك له؛ إذ العبادة متضمنة لغاية الحب بغاية الذل) [1] .
وأما تعريف ابن عباس - رضي الله عنهما - للعبادة بالتوحيد، فهو اعتبار العبادة المقبولة، فلا تقبل العبادة عند الله - تعالى - إلا بتحقيق التوحيد، وأما العبادة من حيث هي فهي أعم من كونها توحيدًا عامًا مطلقًا، فكل موحد عابد لله - تعالى -، وليس كل من عبد الله - تعالى - يكون موحدًا [2] .
وأما من عرّف العبادة بما أمر به شرعًا من غير اطِّراد عرفي ولا اقتضاء عقلي، فهو باعتبار أن الشرع هو مورد العبادة وضابطها، فلا تخضع العبادة لاطراد العرف، بل قد تكون مضادة لعوائد وأعراف، كما أن العبادة لا تخضع لاقتضاء العقل واستحسانه؛ فمن العبادات الشرعية ما تكون محيّرة للعقول [3] . والله أعلم.
ومن قواعد هذا الموضوع: أن الحبّ الخلي عن ذل، والذل الخلي عن حبّ لا يكون عبادة؛ فالعبادة ما يجمع كمال الأمرين: كمال الحبّ وغايته، وكمال الذلّ وغايته.
يقول ابن تيمية: (من خضع لإنسان مع بغضه له لا يكون عابدًا له، ولو أحبّ شيئًا ولم يخضع له لم يكن عابدًا له، كما قد يحبّ الرجل ولده وصديقه، ولهذا لا يكفي أحدهما في عبادة الله - تعالى -، بل يجب أن يكون الله أحبّ إلى العبد من كل شيء، وأن يكون الله أعظم عنده من كل شيء، بل لا يستحق المحبة والخضوع التام إلا الله) [4] .
(1) قاعدة في المحبة (ضمن جامع الرسائل) ، 2/ 196، وانظر مدارج السالكين، 3/ 28.
(2) انظر مجموعة التوحيد، ص 401.
(3) أي غير مُدْرَكة حكمتها للعقول.
(4) العبودية، ص 44، وانظر مجموع الفتاوى، 10/ 19، 56.