لقد تحدث علماء السلف - رحمهم الله - عن عبودية القلب، فكان حديثًا عن علم وبصيرة وذوق وتحقيق.
ومن ذلك ما سطّره يراع شيخ الإسلام ابن تيمية إذ يقول: (إذا كان القلب - الذي هو ملك الجسم - رقيقًا مستعبدًا، متيمًا لغير الله، فهذا هو الذل والأسْر المحض، والعبودية الذليلة لما استعبد القلب.
وعبودية القلب وأسره هي التي يترتب عليها الثواب والعقاب .. فمن استُعبد قلبه فصار عبدًا لغير الله، فهذا يضره ذلك، ولو كان في الظاهر ملك الناس.
فالحرية حرية القلب، والعبودية عبودية القلب، كما أن الغنى غنى النفس، قال النبي: (ليس الغنى عن كثرة العرض، وإنما الغنى غنى النفس) أخرجه الشيخان.
وهذا لعمر الله إذا كان قد استعبد قلبه صورة مباحة، فأما من استعبد قلبه صورة محرمة: امرأة، أو صبي؛ فهذا هو العذاب الذي لا يدانيه عذاب) [1] .
ويقرر ابن القيم هذه العبودية بقوله: (الإنابة هي عكوف القلب على الله - عز وجل -، كاعتكاف البدن في المسجد لا يفارقه، وحقيقة ذلك عكوف القلب على محبته وذكره بالإجلال والتعظيم، وعكوف الجوارح على طاعته بالإخلاص له والمتابعة لرسوله، ومن لم يعكف قلبه على الله وحده عكف على التماثيل المتنوعة، كما قال إمام الحنفاء لقومه:(( مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ ) ) [الأنبياء: 52] فاقتسم هو وقومه حقيقة العكوف، فكان حظ قومه العكوف على التماثيل، وكان حظه العكوف على الربّ الجليل. والتماثيل جمع تمثال، وهي الصور الممثلة، فتعلق القلب بغير الله واشتغاله به والركون إليه عكوف منه على التماثيل التي قامت بقلبه، وهو نظير العكوف على تماثيل الأصنام، ولهذا كان شرك عباد الأصنام بالعكوف بقلوبهم وهمهم وإراداتهم على تماثيلهم، فإذا كان في القلب تماثيل قد ملكته واستعبدته بحيث يكون عاكفًا عليها فهو نظير عكوف الأصنام عليها، ولهذا سماه النبي -صلى الله عليه وسلم- عبدًا لها، ودعا عليه بالتعس والنكس، فقال: (تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم. تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش [2] [3] .
(1) العبودية، ص 96، 97، باختصار يسير. وانظر، ص 108.
(2) أخرجه البخاري في الجهاد والسير حديث 2887 والترمذي في الزهد 2375، وابن ماجة في الزهد 4136.
(3) الفوائد، ص 186.