فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 10

وبسط ابن القيم الحديث عن أرباب عبودية القلب وأحوالهم فكان مما قال: (وجملة أمرهم أنهم قوم قد امتلأت قلوبهم من معرفة الله، وغمرت بمحبته وخشيته وإجلاله ومراقبته، فسرَت المحبة في أجزائهم فلم يبق فيها عرق ولا مفصل إلا وقد دخله الحبّ، قد أنساهم حبّه ذكر غيره، وأوحشهم أنسهم به ممن سواه، فدنفوا بحبه عن حبّ من سواه، وبذكره عن ذكر من سواه، وبخوفه ورجائه والرغبة إليه والرهبة منه، والتوكل عليه والإنابة إليه، والسكون إليه والتذلل والانكسار بين يديه عن تعلق ذلك منهم بغيره، فإذا وضع أحدهم جنبه على مضجعه صعدت أنفاسه إلى إلهه ومولاه، واجتمع همّه عليه متذكرًا صفاته العلى وأسمائه الحسنى، مشاهدًا له في أسمائه وصفاته، قد تجلت على قلبه أنوارها فانصبغ قلبه بمعرفته ومحبته، فبات جسمه في فراشه يتجافى عن مضجعه، وقلبه قد أوى إلى مولاه وحبيبه فآواه إليه، وأسجده بين يديه خاضعًا ذليلًا منكسرًا من كل جهة من جهاته. فيا لها سجدة ما أشرفها من سجدة، لا يرفع رأسه منها إلى يوم اللقاء، وقيل لبعض العارفين: أيسجد القلب بين يدي ربه؟ قال: إي والله، بسجدة لا يرفع رأسه منها إلى يوم القيامة) [1] .

ويشير ابن رجب إلى عبودية القلب قائلًا: (إن تحقق القلب بمعنى لا إله إلا الله وصدقه فيها، وإخلاصه بها يقتضي أن يرسخ فيه تألّه الله وحده، إجلالًا، وهيبة، ومخافة، ومحبة، ورجاء، وتعظيمًا، وتوكلًا، ويمتلئ بذلك، وينتفي عنه تأله ما سواه من المخلوقين، ومتى كان كذلك، لم يبق فيه محبة، ولا إرادة، ولا طلب لغير ما يريده الله ويحبه ويطلبه، وينتفي بذلك من القلب جميع أهواء النفوس وإراداتها، ووساوس الشيطان، فمن أحبّ شيئًا وأطاعة، وأحبّ عليه وأبغض عليه فهو إلهه، فمن كان لا يحب ولا يبغض إلا لله، ولا يوالي ولا يعادي إلا له، فالله إلهه حقًا، ومن أحبّ لهواه، وأبغض لهواه، ووالى عليه، وعادى عليه، فإلهه هواه) [2] .

ونختم هذه المسألة الجليلة بمثال عملي سطّره الصحابي الجليل أبو عبد الرحمن عبد الله ابن عمر - رضي الله عنهما - حيث باع حمارًا له، فقيل له: لو أمسكته! فقال: لقد كان لنا موافقًا، ولكنه أذهب بشعبة من قلبي، فكرهت أن أشغل قلبي بشيء [3] .

(1) طريق الهجرتين، ص 206، 207، وانظر، ص 305.

(2) جامع العلوم والحكم، 1/ 524.

(3) أخرجه ابن المبارك في الزهد، ص 195.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت