فما أتم عبادة ابن عمر لله - تعالى -، وما أكمل توحيده وعكوف قلبه على الله - عز وجل - فهو لما رأى التفاتًا تجاه هذا الحمار، بادر إلى بيعه والتخلص منه مع كونه موافقًا له .. فشتان بين هذا المقام الرفيع وبين من تفرّق قلبه في أودية الدنيا وملذاتها، فصارت جل شعب قلبه متعلقة بمال، أو امرأة، أو منصب ووظيفة، والله المستعان.
ومن أجلِّ قواعد هذا الموضوع: أن عبودية الله - تعالى - ملائمة لحقيقة الإنسان وجِبِلّته، ومستوعبة لمقاصده وأعماله.
وقد ورد في الحديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قوله: (أصدق الأسماء حارث وهمّام) [1] فكل إنسان همام أي مريد ومفكر، وكل همام حارث أي صاحب عمل وكسب وسعي، وعبودية الله - تعالى - مناسبة للفطرة فتتسق وتتفق مع طبيعة الإنسان وحقيقته، وتستوعب كل نشاطه وحركته همًا وحرثًا [2] .
وقد أكّد ابن تيمية هذا المعنى في غير موضع؛ فكان مما قاله: (العبد مجبول على أن يقصد شيئًا ويريده، ويستعين بشيء ويعتمد عليه في تحصيل مراده؛ وهذا أمر حتم لازم ضروري في حق كل إنسان) .
فإذا تدبر الإنسان حال نفسه وحال جميع الناس، وجدهم لا ينفكون عن هذين الأمرين: لا بد للنفس من شيء تطمئن إليه وتنتهي إليه محبتها، وهو إلهها، ولا بد لها من شيء تثق به وتعتمد عليه في نيل مطلوبها هو مستعانها، سواءًا كان ذلك هو الله أو غيره، وإذا كان فقد يكون عامًا وهو الكفر، كمن عبد غير الله مطلقًا، وسأل غير الله مطلقًا .. وقد يكون خاصًا في المسلمين مثل من غلب عليه حبّ المال، أو حبّ شخص، أو حب الرياسة حتى صار عبد ذلك [3] .
ونختم هذه المقالة بمسألة جليلة: وهي أن فقه أسماء الله - تعالى - وصفاته، والتعبّد لله - عز وجل - بها من أعظم أسباب تحقيق عبودية الله - تعالى.
يقول العز بن عبد السلام: (فهم معاني أسماء الله - تعالى - وسيلة إلى معاملته بثمراتها من الخوف والرجاء والمهابة والمحبة والتوكل وغير ذلك من ثمرات معرفة الصفات) [4] .
(1) أخرجه أحمد، 4/ 345، وأبو داود والنسائي.
(2) انظر ظاهرة الإرجاء، 1/ 124.
(3) شجرة المعارف والأحوال، ص17، وانظر الفوائد، ص 63 ـ 64.
(4) شجرة المعارف الفوائد، ص 63 ـ 64.والأحوال، ص17، وانظر