فهرس الكتاب

الصفحة 223 من 864

وقد أهملوا ذكر صفات تقتضيها الإلهية، مثل القدم والبقاء، وتركوا صفة الكلام والقدرة والإرادة، ثم أرادوا أن يتأولوا ما يقع في الإنجيل من صفات الله، فسموا أقنوم الذات بالأب، وأقنوم العلم بالابن، وأقنوم الحياة بالروح القدس؛ لأن الإنجيل أَطْلَقَ اسمَ الأبِ على الله، وأطلق اسمَ الابن على المسيح رسوله، وأطلق الروح القدس على ما به كون المسيح في بطن مريم، على أنهم أرادوا أن ينبهوا على أن أقنوم الوجود هو مفيض الأقنومين الآخرين، فراموا أن يدلوا على عدم تأخر بعض الصفات عن بعض فعبروا بالأب والابن، كما عبر الفلاسفة اليونان بالتولد.

وسموا أقنوم العلم بالكلمة لأن من عبارات الإنجيل إطلاق الكلمة على المسيح، فأرادوا أن المسيح مظهر علم الله، أي أنه يعلم ما علمه الله ويبلغه، وهو معنى الرسالة؛ إذ كان العلم يوم تدوين الأناجيل مُكَلَّلًا بالألفاظ الاصطلاحية للحكمة الإلهية الرومية، فلما اشتبهت عليهم المعاني أخذوا بالظواهر؛ فاعتقدوا أن الأرباب ثلاثة وهذا أصل النصرانية، وقاربوا عقيدة الشرك، ثم جرهم الغلو في تقديس المسيح، فتوهموا أن علم الله اتحد بالمسيح، فقالوا: إن المسيح صار ناسوته لاهوتًا، باتحاد أقنوم العلم به؛ فالمسيح جوهران وأقنوم واحد، ثم نشأت فيهم عقيدة الحلول، أي حلول الله في المسيح بعبارات متنوعة، ثم اعتقدوا اتحاد الله بالمسيح، فقالوا: الله هو المسيح، هذا أصل التثليث عند النصارى، وعنه تفرعت مذاهب ثلاثة أشار إلى جميعها قوله _تعالى_: [وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ] وقوله: [لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ] وقوله: [أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ] .

وكانوا يقولون: في عيسى لاهوتية من جهة الأب، وناسوتية أي إنسانية من جهة الأم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت