فهرس الكتاب

الصفحة 230 من 864

وأما الأنصاب فلم تكن معدودة، ولا كانت لها أسماء، وإنما كانوا _يتخذها كلُّ حي_ يتقربون عندها؛ فقد روى أئمة أخبار العرب: أن العرب كانوا يعظمون الكعبة، وهم ولد إسماعيل، فلما تفرق بعضهم، وخرجوا من مكة عَظُمَ عليهم فراقُ الكعبةِ فقالوا: الكعبة حجر؛ فنحن ننصب في أحيائنا حجارة تكون لنا بمنزلة الكعبة؛ فنصبوا هذه الأنصاب، وربما طافوا حولها، ولذلك يسمونها الدُّوَّار بضم الدال المشددة وبتشديد الواو، ويذبحون عليها الدماء المتقرب بها في دينهم.

وكانوا يطلبون لذلك أحسن الحجارة، وعن أبي رجاء العطاردي في صحيح البخاري: كنا نعبد الحجر فإذا وجدنا حجرًا خيرًا منه ألقينا الأول، وأخذنا الآخر فإذا لم نجد حجرًا _أي في بلاد الرمل_ جمعنا جثوة من تراب، ثم جئنا بالشاة، فحلبناها عليه، ليصير نظير الحجر ثم طفنا به.

فالنصب: حجارة أعدت للذبح وللطواف على اختلاف عقائد القبائل، مثل حجر الغبغب الذي كان حول العزى، وكانوا يذبحون على الأنصاب ويشرّحون اللحم ويشوونه، فيأكلون بعضه ويتركون بعضًا للسدنة، قال الأعشى يذكر وصايا النبي"في قصيدته التي صنعها في مدحه:"

وذا النُصَُبَ المَنْصُوب لا تَنْسُكَنَّه

وقال زيد بن عمرو بن نفيل للنبي"قبل البعثة، وقد عرض عليه الرسول سفرة؛ ليأكل معه في عكاظ: إني لا آكل مما تذبحون على أنصابكم ."

وفي حديث فتح مكة: كان حول البيت ثلاثمائة ونيف وستون نصبًا، وكانوا إذا ذبحوا عليها رشوها بالدم، ورشوا الكعبة بدمائها. 6/93_95

10_ ومن الاستقسام بالأزلام ضرب آخر كانوا يفعلونه في الجاهلية يتطلبون به معرفة عاقبة فعل يريدون فعله: هل هي النجاح والنفع أو هي خيبة وضر؟

وإذ قد كان لفظ الاستقسام يشمله فالوجه أن يكون مرادًا من النهي _أيضًا_ على قاعدة استعمال المشترك في معنييه؛ فتكون إرادته إدماجًا، وتكون السين والتاء للطلب، أي طلب القِسْمِ، وطلبُ القِسْم بالكسر أي الحظ من خير أو ضده، أي طلب معرفته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت