فهرس الكتاب
كان العرب كغيرهم من المعاصرين مولعين بمعرفة الاطلاع على ما سيقع من أحوالهم أو على ما خفي من الأمور المكتومة، وكانوا يتوهمون بأن الأصنام والجن يعلمون تلك المغيبات؛ فسولت سدنةُ الأصنام لهم طريقةً يموِّهون عليهم بها؛ فجعلوا أزلامًا.
والأزلام: جمع زَلَم بفتحتين، ويقال له: قِدْح بكسر القاف وسكون الدال وهو سهم لا حديدة فيه.
وكيفية استقسام الميسر: المقامرة على أجزاء جزور ينحرونه، ويتقامرون على أجزائه، وتلك عشرة سهام تقدم الكلام عليها عند قوله _تعالى_: [يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ] الآية في سورة البقرة.
وكان مقتضى الظاهر أن يقال: وما استقسمتم عليه بالأزلام، فغير الأسلوب وعدل إلى: [وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلامِ] ليكون أشمل للنهي عن طريقتي الاستقسام كلتيهما، وذلك إدماج بديع.
وأشهر صور الاستقسام ثلاثة قداح: أحدهما مكتوب عليه (أمرني ربي) وربما كتبوا عليه (افعل) ويسمونه الآمر، والآخر مكتوب عليه (نهاني ربي) أو (لا تفعل) ويسمونه الناهي، والثالث غُفْل بضم الغين المعجمة وسكون الفاء أخت القاف أي متروك بدون كتابة.
فإذا أراد أحدهم سفرًا أو عملًا لا يدري أيكون نافعًا أم ضارًا _ ذهب إلى سادن صنمهم؛ فأجال الأزلام، فإذا خرج الذي عليه كتابة فعلوا ما رسم لهم، وإذا خرج الغفل أعادوا الإجالة.
ولما أراد امرؤ القيس أن يقوم لأخذ ثار أبيه حُجْر، استقسم بالأزلام عند ذي الخلصة _صنم خثعم_ فخرج له الناهي، فكسر القداح وقال:
لو كنت ياذا الخلص الموتورا ... مثلي وكان شيخك المقبورا
لم تنه عن قتل العداة زورا
وقد ورد في حديث فتح مكة: أن رسول الله"وجد صورة إبراهيم يستقسم بالأزلام فقال: =كذبوا والله إن استقسم بها قط+."
وهم قد اختلقوا تلك الصورة، أو توهموها لذلك؛ تنويهًا بشأن الاستقسام بالأزلام، وتضليلًا للناس الذين يجهلون.