فهرس الكتاب

الصفحة 257 من 864

وقد دلت الآياتُ على أن آدمَ لما ظهر منه خاطرُ المخالفةِ أَكَلَ من الشجرة المنهيِّ عنها، فأعقبه الأكل حدوث خاطر الشعور بما فيه من نقائصَ أدركها بالفطرة، فمعناه أنه زالت منه البساطة والسذاجة.

ويحتمل أن يكون ذلك لخصوصية في طبع تلك الشجرة أن تثير في النفس علم الخير والشر كما جاء في التوراة أن الله نهاه عن أكل شجرة معرفة الخير والشر.

وهذا _عندي_ بعيد، وإنما حكى الله لنا هيئة تطور العقل البشري في خِلْقَةِ أصل النوع البشري نظيرَ صُنْعِهِ في قوله: [وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا] . 8_2/54_55

10_ فقوله _تعالى_: [فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا] لا يدل على أكثر من حصول ظهور السوآت عند ذوق الشجرة، أي أن الله جعل الأمرين مقترنين في الوقت، ولكن هذا التقارن هو لكون الأمرين مُسَبَّبين عن سبب واحد، وهو خاطر السوء الذي نفثه الشيطان فيهما؛ فَسَبَّبَ الإقدامَ على المخالفة للتعاليم الصالحة، والشعور بالنقيصة؛ فقد كان آدم وزوجه في طور سذاجة العلم، وسلامة الفطرة شبيهين بالملائكة لا يقدمان على مفسدة ولا مضرة، ولا يعرضان عن نصح ناصح علما صِدْقَه إلى خبرِ مُخْبِرٍ يَشُكَّان في صدقه، ويتوقعان غرورَه، ولا يشعران بالسوء في الأفعال، ولا في ذرائعها ومقارناتها؛ لأن الله خلقهما في عالم ملكي، ثم تطورت عقليتهما إلى طور التصرف في تغيير الوجدان، فَتَكَوَّن فيهما فعلُ ما نهيا عنه، ونشأ من ذلك التطورِ الشعورُ بالسوءِ للغير، وبالسوءِ للنفس، والشعور بالأشياء التي تؤدي إلى السوءِ، وتُقَارِنُ السوءَ وتلازمه. 8_2/62_63

11_ فالطفل في أول عمره يكون بريئًا من خواطر السوء؛ فلا يستاء من تلقاء نفسه إلا إذا لحق به مؤلم خارجي، ثم إذا ترعرع أخذت خواطر السوء تنتابه في باطن نفسه، فيفرضها، ويولدها، وينفعل بها، أو يفعل بما تشيرُ بِهِ عليه. 8_2/63_64

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت