فهرس الكتاب
15_ وإقامة الوجوه تمثيل لكمال الإقبال على عبادة الله _تعالى_ في مواضع عبادته _ بحال المتهيئ لمشاهدة أمرٍ مُهِمٍّ حين يوجِّه وجْهَهُ إلى صوبه، لا يلتفت يمنة ولا يسرة؛ فذلك التوجه المحض يطلق عليه إقامة؛ لأنه جعل الوجه قائمًا، أي غير متغاضٍ ولا متوانٍ في التوجه، وهو في إطلاق القيام على القوة في الفعل كما يقال: قامت السوق، وقامت الصلاة، وقد تقدم في أول سورة البقرة عند قوله: [وَيُقِيمُونَ الصَّلاة] ومنه قوله _تعالى_: [فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا] .
فالمعنى أن الله أمر بإقامة الوجوه عند المساجد؛ لأن ذلك هو تعظيم المعبود، ومكان العبادة.
ولم يأمر بتعظيمه ولا تعظيم مساجده بما سِوَى ذلك مثل التعري.
وإشراكُ الله بغيره في العبادة منافٍ لها _أيضًا_ وهذا كما ورد في الحديث: =المصلي يناجي ربه؛ فلا يبصقن قبل وجهه+.
فالنهي عن التعري مقصود هنا؛ لشمول اللفظ إياه، ولدلالة السياق عليه بتكرير الامتنان والأمر باللباس ابتداءً من قوله: [لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا] إلى هنا. 8_2/87_88
16_ فالمقصد من قوله: [خُذُوا زِينَتَكُمْ] : إبطال ما زعمه المشركون من لزوم التعري في الحج في أحوال خاصة، وعند مساجد معينة؛ فقد أخرج مسلم عن ابن عباس قال: كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عُرْيانةٌ وتقول من يعيرني تطوافًا تجعله على فرجها وتقول:
اليوم يبدو بعضُه أو كُلُّه ... وما بدا منه فلا أحلُّه
وأخرج مسلم عن عروة بن الزبير، قال: =كانت العرب تطوف بالبيت عراة إلا الحُمْس، والحمسُ قريش وما ولدت، فكان غيرهم يطوفون عراة إلا أن يعطيهم الحمس ثيابًا، فيُعْطِي الرجالُ الرجالَ، والنساءُ النساءَ+.
وعنه: =أنهم كانوا إذا وصلوا إلى منى طرحوا ثيابهم، وأتوا المسجد عراة+.
وروي أن الحمس كانوا يقولون: نحن أهل الحرم؛ فلا ينبغي لأحد من العرب أن يطوف إلا في ثيابنا، ولا يأكل إذا دخل أرضنا إلا من طعامنا.