فهرس الكتاب

الصفحة 287 من 864

والمراد بالشهور: الشهور القمرية بقرينة المقام؛ لأنها المعروفة عند العرب وعند أغلب الأمم، وهي أقدمُ أَشْهُرِ التوقيت في البشر، وأضْبَطُها؛ لأن اختلاف أحوال القمر مساعد على اتخاذ تلك الأحوال مواقيت للمواعيد والآجال، وتاريخ الحوادث الماضية، بمجرد المشاهدة؛ فإن القمر كُرَةٌ تابعةٌ لنظام الأرض.

قال _تعالى_: [لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ] .

ولأن الاستناد إلى الأحوال السماوية أضبط وأبعد عن الخطأ؛ لأنها لا تتناولها أيدي الناس بالتغيير والتبديل، وما حدثت الأشهر الشمسية وسنتها إلا بعد ظهور علم الفلك والميقات؛ فانتفع الناس بنظام سير الشمس في ضبط الفصول الأربعة، وجعلوها حسابًا لتوقيت الأعمال التي لا يصلح لها إلا بعض الفصول، مثل الحرث والحصاد، وأحوال الماشية.

وقد كان الحساب الشمسي معروفًا عند القبط والكلدانيين، وجاءت التوراة بتعيين الأوقات القمرية للأشهر، وتعيين الشمسية للأعياد.

ومعلوم أن الأعياد في الدرجة الثانية من أحوال البشر؛ لأنها راجعة إلى التحسين؛ فأما ضبط الأشهر فيرجع إلى الحاجي؛ فألهم الله البشر فيما ألهمهم من تأسيس أصول حضارتهم أَنِ اتخذوا نظامًا لتوقيت أعمالهم المحتاجة للتوقيت، وأَنْ جعلوه مستندًا إلى مشاهدات بينةٍ واضحة لسائر الناس، لا تنحجب عنهم إلا قليلًا في قليل، ثم لا تلبث أن تلوح لهم واضحة باهرة.

وألهمهم أَنِ اهتدوا إلى ظواهر مما خلق الله له نظاما مطردًا، وذلك كواكب السماء ومنازلها، كما قال في بيان حكمة ذلك: [هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ] .

وأَنْ جعلوا توقيتهم اليومي مستندًا إلى ظهور نور الشمس ومغيبه عنهم؛ لأنهم وجدوه على نظام لا يتغير، ولاشتراك الناس في مشاهدة ذلك، وبذلك تنظم اليوم والليلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت