فهرس الكتاب

الصفحة 288 من 864

وجعلوا توقيتهم الشهري بابتداء ظهور أول أجزاء القمر وهو المسمى هلالًا إلى انتهاء مَحَاقِه، فإذا عاد إلى مثل الظهور الأول فذلك ابتداء شهر آخر.

وجعلوا مراتبَ أعدادِ أجزاءِ المدةِ المسماة بالشهر مرتبةً بتزايد ضوء النصف المضيء من القمر كل ليلة، وبإعانة منازل ظهور القمر كل ليلة حَذْوَ شكلٍ من النجوم سموه بالمنازل.

وقد وجدوا ذلك على نظام مطرد، ثم ألهمهم، فَرَقَبُوا المدة التي عاد فيها الثمر أو الكلأ الذي ابتدأوا في مثله العد وهي أوقات الفصول الأربعة، فوجدوها قد احتوت على اثني عشر شهرًا؛ فسموا تلك المدة عامًا، فكانت الأشهر لذلك اثني عشر شهرًا؛ لأن ما زاد على ذلك يعود إلى مثل الوقت الذي ابتدأوا فيه الحساب أول مرة، ودعوها بأسماء؛ لتمييز بعضها عن بعض؛ دفعًا للغلط.

وجعلوا لابتداء السنين بالحوادث على حسب اشتهارها عندهم إن أرادوا ذلك، وذلك واسع عليهم؛ فلما أراد الله أن يجعل للناس عباداتٍ ومواسمَ وأعيادًا دوريةً تكون مرة في كل سنة _ أمرهم أن يجعلوا العبادة في الوقت المماثل لوقت أختها؛ فَفُرِضَ على إبراهيمَ وبنيه حَجُّ البيت كل سنة في الشهر الثاني عشر، وجعل لهم زمنًا محترمًا بينهم يأمنون فيه على نفوسهم وأموالهم ويستطيعون فيه السفر البعيد وهي الأشهر الحرم؛ فلما حصل ذلك كله بمجموع تكوين الله _تعالى_ للكواكب، وإيداعه الإلهام بالتفطن لحكمتها، والتمكن من ضَبْطِ مُطَّرد أحوالها، وتعيينه ما عين من العبادات والأعمال بمواقيتها _ كان ذلك كله مرادًا عنده؛ فلذلك قال: [إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت