فهرس الكتاب
وهذا الازدياد راجع إلى تَمَكُّن الوصفين من نفوسهم، أي كفرهم أمكن في النفوس من كفر كفار المدينة، ونفاقهم أمكن من نفوسهم كذلك، أي أمكن في جانب الكفر منه، والبعد عن الإقلاع عنه وظهور بوادر الشر منهم؛ وذلك أن غلظ القلوب، وجلافة الطبع تزيد النفوس السيئة وحشةً ونفورًا.
ألا تعلم أن ذا الخويصرة التميمي، وكان يَدَّعي الإسلام لما رأى النبي"أعطى الأقرع بن حابس ومن معه من صناديد العرب مَنْ ذَهَب قَسْمُه _ قال ذو الخويصرة مواجهًا النبي": =اعدل+ فقال له النبي": =ويحك ومن يعدل إن لم أعدل؟!+."
فإن الإعراب لنشأتهم في البادية كانوا بعداء عن مخالطة أهل العقول المستقيمة وكانت أذهانهم أبعد عن معرفة الحقائق، وأملأ بالأوهام، وهم لبعدهم عن مشاهدة أنوار النبي"وأخلاقه وآدابه وعن تلقي الهدى صباح مساء _ أجهل بأمور الديانة وما به تهذيب النفوس، وهم لتوارثهم أخلاق أسلافهم وبعدهم عن التطورات المدنية التي توثِّر سموًا في النفوس البشرية، وإتقانًا في وضع الأشياء في مواضعها، وحكمةً تقليديةً تتدرج بالأزمان _ يكونون أقرب سيرة بالتوحش، وأكثر غلظة في المعاملة، وأوضع للتراث العلمي والخلقي؛ ولذلك قال عثمان لأبي ذر لما عزم على سكنى الربذة: =تعهد المدينة؛ كيلا ترتد أعرابيًا+."
فأما في الأخلاق التي تحمد فيها الخشونة والغلظة والاستخفاف بالعظائم مثل الشجاعة، والصراحة، وإباء الضيم، والكرم _ فإنها تكون أقوى في الأعراب بالجبلة، ولذلك يكونون أقرب إلى الخير إذا اعتقدوه، وآمنوا به.
ويجوز أن يكون (أشد) و (أجدر) مسلوبي المفاضلة مستعملين لقوة الوصفين في الموصوفين بهما على طريقة قوله _تعالى_: [قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ] [1] .
(1) _ وقوله: [أَصْحَاْبُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًَّا] . (م)