فهرس الكتاب
وجملة [إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ] استئناف بياني ناشئ عن الاستثناء؛ لأن إجمال المستثنى يُنْشِئُ سؤالًا في نفس السامع أن يقول: ما هو تعيين المستثنى، أو لماذا لم يكن الخلود عامًا، وهذا مظهر من مظاهر التفويض إلى الله.
وأما الاستثناء الثاني الواقع في جانب [الَّذِينَ سُعِدُوا] فيحتمل معنيين: أحدهما أن يراد: إلا ما شاء ربك في أول أزمنة القيامة، وهي المدة التي يدخل فيها عصاة المؤمنين غير التائبين في العذاب إلى أن يعفو الله عنهم بفضله بدون شفاعة، أو بشفاعة كما في الصحيح من حديث أنس: =يدخل ناس جهنم حتى إذا صاروا كالحممة أُخرجوا، وأدخلوا الجنة، فيقال: هؤلاء الجهنميون+.
ويحتمل أن يقصد منه التحذير من توهم استحقاق أحد ذلك النعيم حقًا على الله، بل هو مظهر من مظاهر الفضل والرحمة.
وليس يلزم من الاستثناء المعلق على المشيئة وقوع المشيئة بل إنما يقتضي أنها لو تعلقت المشيئة لوقع المستثنى، وقد دلت الوعود الإلهية على أن الله لا يشاء إخراج أهل الجنة منها.
وأيا ما كان فهم إذا أدخلوا الجنة كانوا خالدين فيها؛ فلا ينقطع عنهم نعيمها، وهو معنى قوله: [عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ] .
والمجذوذ: المقطوع. 12/165_166
13_ والزُّلَف: جمع زلفة مثل غُرفة وغُرَف، وهي الساعة القريبة من أختها؛ فعلم أن المأمور إيقاع الصلاة في زلف من الليل.
ولما لَمْ تُعَيَّن الصلوات المأمور بإقامتها في هذه المدة من الزمان _ كان ذلك مجملًا؛ فَبَيَّنَتْهُ السنة والعمل المتواتر بخمس صلوات هي الصبح والظهر والعصر والمغرب والعشاء، وكان ذلك بيانًا لآيات كثيرة في القرآن كانت مجملة في تعيين أوقات الصلوات مثل قوله _تعالى_: [أَقِمْ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا] .