فهرس الكتاب
وقد حكت التوراة بكاء بني إسرائيل على موسى _ عليه السلام _ أربعين يومًا، وحكت تمزيقَ بعضِ الأنبياء ثيابهم من الجزع، وإنما التصبر في المصيبة كمالٌ بلغت إليه الشريعة الإسلامية.
والكظيم: مبالغة للكاظم، والكظم: الإمساك النفساني، أي كاظم للحزن لا يظهره بين الناس، ويبكي في خلوته، أو هو فعيل بمعنى مفعول، أي محزون كقوله: [وَهُوَ مَكْظُومٌ] . 13/43
50_ فجملة: [إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ] مفيدة قصر شكواه على التعلق باسم الله، أي يشكو إلى الله لا إلى نفسه؛ ليجدد الحزن، فصارت الشكوى بهذا القصد ضراعة وهي عبادة؛ لأن الدعاء عبادة، وصار ابيضَاضُ عينيه الناشئُ عن التذكرِ الناشئِ عن الشكوى أثرًا جسديًا ناشئًا عن عبادة، مثلِ تَفَطُّرِ أقدام النبي"من قيام الليل. 13/44_45"
51_ وقد أعقب كلامه بقوله: [وَأَعْلَمُ مِنْ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ] لينبههم إلى قصور عقولهم عن إدراك المقاصد العالية؛ ليعلموا أنهم دون مرتبةِ أن يعلموه أو يلوموه، أي أنا أعلم علمًا من عند الله عَلَّمَنِيه لا تعلمونه وهو علم النبوة.
وقد تقدم نظير هذه الجملة في قصة نوح _عليه السلام_ من سورة الأعراف؛ فهي من كلام النبوة الأولى، وحكي مثلها عن شعيب _عليه السلام_ في سورة الشعراء.
وفي هذا تعريض بِرَدِّ تعرضهم بأنه يطمع في المحال بأن ما يحسبونه محالًا سيقع.
ثم صرح لهم بشيء مما يعلمه، وكاشَفَهم بما يحقق كذبهم ادعاء ائتكال الذئبِ يوسف _ عليه السلام _ حين أذنه الله بذلك عند تقدير انتهاء البلوى، فقال: [يَا بَنِي اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ] . 13/45