فهرس الكتاب

الصفحة 347 من 864

5_ وجملة: [يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ] مستأنفة استئنافًا بيانيًا؛ لأن جملة: [لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ] تقتضي أن الوعيد كائن وليس تأخيره مزيلًا له.

ولما كان في ذلك تأييسٌ للناس عَقَّب بالإعلام بأن التوبة مقبولة، وبإحلال الرجاء محل اليأس، فجاءت جملة: [يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ] احتراسًا.

وحقيقة المحو: إزالة شيء، وكثر في إزالة الخط أو الصورة، ومرجع ذلك إلى عدم المشاهدة، قال _تعالى_: [فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً] .

ويطلق مجازًا على تغيير الأحوال، وتبديل المعاني كالأخبار والتكاليف والوعد والوعيد؛ فإن لها نسبًا ومفاهيم إذا صادفت ما في الواقع كانت مطابقتها؛ إثباتًا لها، وإذا لم تطابقه كان عدم مطابقتها محوًا؛ لأنه إزالة لمدلولاتها.

والتثبيت: حقيقته جعل الشيء ثابتًا قارًّا في مكان، قال _تعالى_: [إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا] .

ويطلق مجازًا على أضداد معاني المحو المذكورة؛ فيندرج في ما تحتمله الآية عدة معان: منها أنه يعدم ما يشاء من الموجودات، ويبقي ما يشاء منها، ويعفو عما يشاء من الوعيد ويقرر، وينسخ ما يشاء من التكاليف ويبقي ما يشاء.

وكل ذلك مظاهر لتصرف حكمته وعلمه وقدرته.

وإذ قد كانت تعلقات القدرة الإلهية جارية على وفق علم الله _تعالى_ كان ما في علمه لا يتغير؛ فإنه إذا أوجد شيئًا كان عالمًا أنه سيوجده، وإذا أزال شيئا كان عالمًا أنه سيزيله وعالمًا بوقت ذلك.

وأَبْهَمَ الممحو والمثبت بقوله: [مَا يَشَاءُ] لتتوجه الأفهام إلى تعرف ذلك والتدبر فيه؛ لأن تحت هذا الموصول صورًا لا تحصى، وأسباب المشيئة لا تحصى.

ومن مشيئة الله _تعالى_ محوَ الوعيد أن يلهم المذنبين التوبة والإقلاع ويخلق في قلوبهم داعية الامتثال.

ومن مشيئة التثبيت أن يصرف قلوب قوم عن النظر في تدارك أمورهم، وكذلك القول في العكس من تثبيت الخير ومحوه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت