فهرس الكتاب
فالذي يظهر لي أن هذه الآية من معجزات القرآن الغيبية العلمية، وأنها إيماء إلى أن الله سيلهم البشر اختراع مراكب هي أجدى عليهم من الخيل، والبغال، والحمير، وتلك العجلات التي يركبها الواحد، ويحركها برجليه وتسمى (بسكلات) وأرتال السكك الحديدية، والسيارات المسيَّرة بمصفى النفط وتسمى (أطوموبيل) ثم الطائرات التي تسير بالنفط المصفى في الهواء؛ فكل هذه مخلوقات نشأت في عصور متتابعة لم يكن يعلمها من كانوا قبل عصر وجود كل منها.
وإلهام الله الناس لاختراعها هو ملحق بخلق الله؛ فالله هو الذي ألهم المخترعين من البشر بما فطرهم عليه من الذكاء والعلم، وبما تدرجوا في سلم الحضارة، واقتباس بعضهم من بعض إلى اختراعها؛ فهي بذلك مخلوقة لله _تعالى_ لأن الكل من نعمته. 14/110_111
4_ [ وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (9) ] .
جملة معترضة، اقتضت اعتراضَها مناسبةُ الامتنانِ بنعمة تيسير الأسفار بالرواحل، والخيل، والبغال، والحمير.
فلما ذُكرت نعمةُ تيسير السبيل الموصلة إلى المقاصد الجثمانية ارتقي إلى التذكير بسبيل الوصول إلى المقاصد الروحانية وهو سبيل الهدى؛ فكان تعهد الله بهذه السبيل نعمةٌ أعظم من تيسير المسالك الجثمانية؛ لأن سبيل الهدى تحصل به السعادة الأبدية.
وهذه السبيل هي موهبة العقل الإنساني الفارق بين الحق والباطل، وإرسال الرسل لدعوة الناس إلى الحق، وتذكيرهم بما يغفلون عنه، وإرشادهم إلى ما لا تصل إليه عقولهم أو تصل إليه بمشقة على خطر من التورط في بُنَيَّات الطريق. 14/111_112
5_ ومن لطيف النوادر ما في الكشاف: أن من تأويلات الروافض أن المراد بالنحل في الآية علي وآله.
وعن بعضهم أنه قال عند المهدي: إنما النحل بنو هاشم يخرج من بطونهم العلم، فقال له رجل: جعل الله طعامك وشرابك مما يخرج من بطون بني هاشم، فضحك المهدي، وحدث به المنصور؛ فاتخذوه أضحوكة من أضاحيكهم.