فهرس الكتاب

الصفحة 364 من 864

وعطف (الْمَوْعِظَةِ) على (الْحِكْمَةِ) لأنها تُغَاير الحكمة بالعموم والخصوص الوجهي؛ فإنه قد يسلك بالموعظة مسلك الإقناع؛ فمن الموعظة حكمة، ومنها خطابة، ومنها جدل.

وهي من حيث ماهيتها بينها وبين الحكمةِ العمومُ والخصوصُ من وجه، ولكن المقصود بها ما لا يخرج عن الحكمة والموعظة الحسنة بقرينة تغيير الأسلوب؛ إذ لم يُعْطَفْ مصدرُ المجادلة على الحكمة والموعظة بأن يقال: والمجادلة بالتي هي أحسن، بل جيء بفعلها؛ تنبيهًا على أن المقصود تقييد الإذن فيها بأن تكون بالتي هي أحسن، كما قال: [وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ] .

والمجادلة: الاحتجاج لتصويب رأي، وإبطال ما يخالفه أو عمل كذلك.

ولما كان ما لقيه النبي"من أذى المشركين قد يبعثه على الغلظة عليهم في المجادلة أمره الله بأن يجادلهم بالتي هي أحسن."

وتقدمت قريبًا عند قوله: [تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا] .

وتقدمت من قبل عند قوله: [وَلا تُجَادِلْ عَنْ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ] في سورة النساء.

والمعنى: إذا ألجأتك الدعوة إلى محاجة المشركين فحاججهم بالتي هي أحسن. 14/327_328

16_ وقيدت الموعظة بالحسنة ولم تقيد الحكمة بمثل ذلك؛ لأن الموعظة لما كان المقصود منها غالبًا رَدْعَ نفسِ الموعوظ عن أعماله السيئة أو عن توقع ذلك منه _ كانت مظنةً لصدور غلظةٍ من الواعظ، ولحصول انكسار في نفس الموعوظ، أرشد الله رسوله أن يتوخى في الموعظة أن تكون حسنة، أي بإلانة القول، وترغيب الموعوظ في الخير، قال _تعالى_ خطابًا لموسى وهارون: [اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى] .

وفي حديث الترمذي عن العرباض بن سارية أنه قال: =وعظنا رسول الله"موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون + الحديث."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت