فهرس الكتاب
وقد جاء أعرابي إلى النبي"فقال: إن امرأتي ولدت ولدًا أسود _ يريد أن ينتفي منه _ فقال له النبي: =هل لك من إبل? قال: نعم، قال: ما ألوانهن? قال: ورق، قال: وهل فيها من جمل أسود? قال: نعم، قال: فمن أين ذلك? قال: لعله عرق نزعه، فقال النبي": فلعل ابنك نزعه عرق+.
ونهاه عن الانتفاء منه؛ فهذا كان شائعًا في مجتمعات الجاهلية؛ فنهى الله المسلمين عن ذلك.
ومنها القذف بالزنى وغيره من المساوي بدون مشاهدة، وربما رموا الجيرة من الرجال والنساء بذلك.
وكذلك كان عملهم إذا غاب زوج المرأة لم يلبثوا أن يلصقوا بها تهمةً ببعض جيرتها.
وكذلك يصنعون إذا تزوج منهم شيخ مسن امرأة شابة أو نَصَفًا؛ فولدت له ألصقوا الولد ببعض الجيرة.
ولذلك لما قال النبي"يومًا: =سلوني+ أكثر الحاضرون أن يسأل الرجل فيقول: من أبي? فيقول: أبوك فلان."
وكان العرب في الجاهلية يطعنون؛ فينسب أسامة بن زيد من أبيه زيد بن حارثة؛ لأن أسامة كان أسود اللون، وكان زيد أبوه أبيضَ أزهرَ، وقد أثبت النبي"أن أسامة بن زيد بن حارثة؛ فهذا خلق باطل كان متفشيًا في الجاهلية نهى الله المسلمين عن سوء أثره."
ومنها تجنب الكذب، قال قتادة: =لا تقف: لا تقل: رأيت وأنت لم تر، ولا سمعت وأنت لم تسمع، وعلمت وأنت لم تعلم+.
ومنها شهادة الزور وشملها هذا النهي، وبذلك فسر محمد بن الحنفية وجماعة.
وما يشهد لإرادة جميع هذه المعاني تعليل النهي بجملة: [إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا] .
فموقع الجملة موقع تعليل، أي أنك أيها الإنسان تسأل عما تسنده إلى سمعك، وبصرك، وعقلك بأن مراجع القفو المنهي عنه إلى نسبة لسمع، أو بصر، أو عقل في المسموعات، والمبصرات، والمعتقدات.
وهذا أدب خلقي عظيم، وهو _أيضًا_ إصلاح عقلي جليل يُعَلِّم الأمة التفرقةَ بين مراتب الخواطر العقلية بحيث لا يختلط عندها المعلوم والمظنون والموهوم.