فهرس الكتاب
وقد تكرر في هذه السورة صفَةُ الرحمن ستَّ عشرةَ مرةً، وذكرُ اسمِ الرحمةَ أربعَ مرات؛ فأنبأ بأن مِنْ مقاصدِها تحقيقَ وصفِ الله _تعالى_ بصفةِ الرحمن، والردَّ على المشركين الذين تقعروا بإنكار هذا الوصف كما حكى الله _تعالى_ عنهم في قوله في سورة الفرقان: [وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ] .
ووقع في هذه السورة استطرادٌ بآية [وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ] 16/58_60
3_ وشبه عموم الشيب شعر رأسه أو غلبته عليه باشتعال النار في الفحم بجامع انتشار شيء لامع في جسم أسود، تشبيهًا مركبًا تمثيليًا قابلًا لاعتبار التفريق في التشبيه، وهو أبدع أنواع المركب؛ فشبه الشعر الأسود بفحم، والشعر الأبيض بنار على طريق التمثيلية المكنية ورمز إلى الأمرين بفعل [اشْتَعَلَ] .
وأسند الاشتعال إلى الرأس، وهو مكان الشعر الذي عمه الشيب؛ لأن الرأس لا يعمه الشيب إلا بعد أن يعم اللحية غالبًا؛ فعموم الشيب في الرأس أمارة التوغل في كبر السن.
وإسناد الاشتعال إلى الرأس مجاز عقلي؛ لأن الاشتعال من صفات النار المشبهِ بها الشيب، فكان الظاهر إسناده إلى الشيب؛ فلما جيء باسم الشيب؛ تمييزًا لنسبة الاشتعال حصل بذلك خصوصية المجاز وغرابته، وخصوصية التفصيل بعد الإجمال مع إفادة تنكير [شَيْبًا] من التعظيم؛ فحصل إيجاز بديع، وأصل النظم المعتاد: واشتعل الشيب في شعر الرأس.
ولما في هذه الجملة من الخصوصيات من مبني المعاني والبيان كان لها أعظم وقع عند أهل البلاغة نبه عليه صاحب الكشاف، ووضحه صاحب المفتاح؛ فانظرهما.
وقد اقتبس معناها أبو بكر بن دريد في قوله:
واشتعل المبيض في مُسْوَدِّه ... مثل اشتعال النار في جزل الغضا
ولكنه خليق بأن يكون مضرب قولهم في المثل: =ماء ولا كصدى+.