فهرس الكتاب
وفي هذا من الأدب الأخلاقي أن المرء لا يقول بلسانه إلا ما يعلمه، ويتحققه، وإلا فهو أحد رجلين: أَفِنُ الرأي يقول الشيء قبل أن يتبين له الأمر؛ فيوشك أن يقول الكذب، فيحسبه الناس كذابًا، وفي الحديث: بـ=حسب المرء من الكذب أن يحدث بكل ما سمع+.
أو رجلٍ مُمَوِّهٍ مُراءٍ يقول ما يعتقد خلافه، قال _تعالى_: [وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ] وقال: [كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ] . 18/178
6_ [إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (19) ] .
ومن أدب هذه الآية أن شأن المؤمن أن لا يحب لإخوانه المؤمنين إلا ما يحب لنفسه؛ فكما أنه لا يحب أن يشيع عن نفسه خَبَرَ سوءٍ كذلك عليه أن لا يحب إشاعة السوء عن إخوانه المؤمنين.
ولشيوع أخبار الفواحش بين المؤمنين بالصدق أو الكذب مفسدة أخلاقية؛ فإن مما يزع الناس عن المفاسد تهيبهم وقوعها، وتجهمهم، وكراهتهم سوء سمعتها؛ وذلك مما يصرف تفكيرهم عن تذكرها بَلْهَ الإقدام عليها رويدًا رويدًا حتى تنسى، وتنمحي صورها من النفوس؛ فإذا انتشر بين الأمة الحديث بوقوع شيء من الفواحش تَذَكَّرَتْهَا الخواطر، وخفَّ وقعُ خبرها على الأسماع؛ فدب بذلك إلى النفوس التهاونُ بوقوعها، وخفةُ وقعها على الأسماع؛ فلا تلبث النفوس الخبيثة أن تقدم على اقترافها، وبمقدار تكرر وقوعها، وتكرر الحديث عنها تصير متداولة.
هذا إلى ما في إشاعة الفاحشة من لحاق الأذى والضر بالناس ضُرًَّا متفاوتَ المقدار على تفاوت الأخبار في الصدق والكذب. 18/185