فهرس الكتاب
5_ وفَرَّع على وصفه بـ [الرَّحْمَنُ] قوله: [فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا] للدلالة على أن في رحمته من العظمة والشمول ما لا تفي فيه العبارة؛ فيعدل عن زيادة التوصيف إلى الحوالة على عليمٍ بتصاريف رحمته، مجربٍ لها مُتَلَقٍّ أحاديثها ممن علمها وجربها.
وتنكير [خَبِيْرًا] للدلالة على العموم؛ فلا يظن خبيرًا مُعَيَّنًَا؛ لأن النكرة إذا تعلق بها فعل الأمر اقتضت عمومًا بدليل أي خبير سألته أعلمك.
وهذا يجري مجرى المثل، ولعله من مبتكرات القرآن نظير قول العرب: =على الخبير سقطت+ يقولها العارف بالشيء إذا سئل عنه.
والمثلان وإن تساويا في عدد الحروف المنطوق بها فالمثل القرآني أفصح لسلامته من ثقل تلاقي القاف والطاء والتاء في (سقطت) .
وهو _أيضًا_ أشرف؛ لسلامته من معنى السقوط، وهو أبلغ معنىً لما فيه من عموم كل خبير، بخلاف قولهم: على الخبير سقطت؛ لأنها إنما يقولها الواحد المعيَّن، وقريب من معنى: [فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيْرَا] قول النابغة:
هلا سألت بني ذبيان ما حسبي ... إذا الدخان تغشى الأشمط البرما
إلى قوله:
يخبرك ذو عرضهم عني وعالمهم ... وليس جاهل شيء مثل من علما
6_ [وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا] .
واعلم أن هذه الصلات التي أجريت على [عِبَادُ الرَّحْمَنِ] جاءت على أربعة أقسام.
قسم هو من التحلي بالكمالات الدينية: وهي التي ابتدئ بها من قوله _تعالى_: [الَّذِيْنَ يَمْشُوْنَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنَا] إلى قوله: [سَلاَمَا] .
وقسم هو من التخلي عن ضلالات أهل الشرك: وهو الذي من قوله: [وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ] .