فهرس الكتاب

الصفحة 482 من 864

ولكن هذا استدعاء لأهل العلم والحكمة؛ لتتوجه أنظارهم إلى ما في الكون من دقائق الحكمة وبديع الصنعة.

وهذا من العلم الذي أُوْدع في القرآن؛ ليكون معجزة من الجانب العلمي يدركها أهل العلم، كما كان معجزة للبلغاء من جانبه النظمي كما قدمناه في الجهة الثانية من المقدمة العاشرة.

فإن الناس كانوا يحسبون أن الشمس تدور حول الأرض؛ فينشأ من دورانها نظام الليل والنهار، ويحسبون الأرض ساكنة.

واهتدى بعض علماء اليونان أن الأرض هي التي تدور حول الشمس في كل يوم وليلة دورة تتكون منها ظلمة نصف الكرة الأرضية تقريبًا وضياء النصف الآخر، وذلك ما يعبر عنه بالليل والنهار، ولكنها كانت نظرية مرموقة بالنقد، وإنما كان الدال عليها قاعدة أن الجرم الأصغر أولى بالتحرك حول الجرم الأكبر المرتبط بسيره وهي علة إقناعية؛ لأن الحركة مختلفة المدارات؛ فلا مانع من أن يكون المتحرك الأصغر حول الأكبر في رأي العين، وضبط الحساب.

وما تحققت هذه النظرية إلا في القرن السابع عشر بواسطة الرياضي (غاليلي) الإيطالي.

والقرآن يدمج في ضمن دلائله الجمة، وعَقِبَ دليلِ تكوينِ النور والظلمة _ دليلًا رُمِزَ إليه رمزًا؛ فلم يتناولْه المفسرون، أو تسمع لهم ركزًا.

وإنما ناط دلالة تحرك الأرض بتحرك الجبال منها؛ لأن الجبال هي الأجزاء الناتئة من الكرة الأرضية؛ فظهور تحرك ظلالها متناقصة قبل الزوال إلى منتهى نقصها، ثم آخذة في الزيادة بعد الزوال.

ومشاهدةُ تحركِ تلك الظلال تحركًا يحاكي دبيب النمل أشد وضوحًا للراصد، وكذلك ظهور تحرك قممها أمام قرص الشمس في الصباح والمساء أظهر مع كون الشمس ثابتة في مقرها بحسب أرصاد البروج والأنواء.

ولهذا الاعتبار غير أسلوب الاستدلال الذي في قوله _تعالى_: [أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ] فجعل هنا بطريق الخطاب: [وَتَرَى الْجِبَالَ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت