فهرس الكتاب

الصفحة 504 من 864

فموقع (إِنَّ) هنا موقع فاء التعليل ولا شك أن هذا التعليل مُوَجَّه إلى الأمة؛ لأن النبي"معصوم من الفحشاء والمنكر؛ فاقتصر على تعليل الأمر بإقامة الصلاة دون تعليل الأمر بتلاوة القرآن؛ لما في هذا الصلاح الذي جعله الله في الصلاة من سر إلهي لا يهتدي إليه الناس إلا بإرشاد منه _تعالى_ فأخبر أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، والمقصود أنها تنهى المصلي."

وإذ قد كانت حقيقة النهي غير قائمة بالصلاة تَعَيَّنَ أن فعل [تَنْهَى] مستعمل في معنى مجازي بعلاقة، أو مشابهة.

والمقصود، أن الصلاة تيسر للمصلي ترك الفحشاء والمنكر.

وليس المعنى أن الصلاة صارفة المصلي عن أن يرتكب الفحشاء والمنكر؛ فإن المُشَاهَدَ يخالفه؛ إذ كم من مصلٍّ يقيم صلاته، ويقترف بعض الفحشاء والمنكر.

كما أنه ليس يصح أن يكون المراد أنها تصرف المصلي عن الفحشاء والمنكر ما دام متلبسًا بأداء الصلاة؛ لقلة جدوى هذا المعنى؛ فإن أكثر الأعمال يصرف المشتغل به عن الاشتغال بغيره.

وإذ كانت الآية مسوقة للتنويه بالصلاة وبيان مزيتها في الدين تَعَيَّنَ أن يكون المراد أن الصلاة تحذر من الفحشاء والمنكر تحذيرًا هو من خصائصها.

وللمفسرين طرائق في تعليل ذلك منها: ما قاله بعضهم: إن المراد به ما للصلاة من ثواب عند الله؛ فإن ذلك غرض آخر وليس منصبًا إلى ترك الفحشاء والمنكر، ولكنه من وسائل توفير الحسنات لعلها أن تغمر السيئات؛ فيتعين لتفسير هذه الآية تفسيرًا مقبولًا أن نعتبر حكمها عامًا في كل صلاة؛ فلا يختص بصلوات الأبرار، وبذلك تسقط عدة وجوه مما فسروا به الآية.

قال ابن عطية: =وذلك عندي بأن المصلي إذا كان على الواجب من الخشوع والإخبات صَلُحَتْ بذلك نفسه، وخامرها ارتقاب الله _تعالى_ فاطَّرد ذلك في أقواله وأفعاله، وانتهى عن الفحشاء والمنكر+. ا هـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت