فهرس الكتاب

الصفحة 505 من 864

وفيه اعتبار قيود في الصلاة لا تناسب التعميم، وإن كانت من شأن الصلاة التي يحق أن يلقنها المسلمون في ابتداء تلقينهم قواعد الإسلام.

والوجه عندي في معنى الآية: أن يحمل فعل [تَنْهَى] على المجاز الأقرب إلى الحقيقة، وهو تشبيه ما تشتمل عليه الصلاة بالنهي، وتشبيه الصلاة في اشتمالها عليه بالناهي، ووجه الشبه أن الصلاة تشتمل على مذكرات بالله من أقوال وأفعال من شأنها أن تكون للمصلي كالواعظ المذكر بالله _تعالى_ إذ ينهى سامعه عن ارتكاب ما لا يرضي الله.

وهذا كما يقال: صديقك مرآة ترى فيها عيوبك؛ ففي الصلاة من الأقوال تكبير لله، وتحميده، وتسبيحه، والتوجه إليه بالدعاء والاستغفار، وقراءة فاتحة الكتاب المشتملة على التحميد، والثناء على الله، والاعتراف بالعبودية له، وطلب الإعانة والهداية منه، واجتناب ما يغضبه وما هو ضلال، وكلها تذكر بالتعرض إلى مرضاة الله، والإقلاع عن عصيانه، وما يفضي إلى غضبه؛ فذلك صَدٌّ عن الفحشاء والمنكر.

وفي الصلاة أفعال هي خضوع وتذلل لله _تعالى_ من قيام وركوع وسجود، وذلك يذكر بلزوم اجتلاب مرضاته، والتباعد عن سخطه، وكل ذلك مما يصد عن الفحشاء والمنكر.

وفي الصلاة أعمال قلبية من نية واستعداد للوقوف بين يدي الله، وذلك يذكر بأن المعبود جدير بأن تمتثل أوامره، وتجتنب نواهيه.

فكانت الصلاة بمجموعها كالواعظ الناهي عن الفحشاء والمنكر؛ فإن الله قال: [تَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ] ولم يقل تَصُدُّ وتَحُوْلُ، ونحو ذلك مما يقتضي صرف المصلي عن الفحشاء والمنكر.

ثم الناس في الانتهاء متفاوتون، وهذا المعنى من النهي عن الفحشاء والمنكر هو من حكمة جعل الصلوات موزعة على أوقات من النهار والليل؛ ليتجدد التذكير، وتتعاقب المواعظ.

وبمقدار تكرر ذلك تزداد خواطر التقوى في النفوس، وتتباعد النفس من العصيان حتى تصير التقوى ملكة لها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت