فهرس الكتاب
وابتدئ شرعُ الحجاب بالنهي عن دخول بيوت النبي"إلا لطعام دعاهم إليه؛ لأن النبي _عليه الصلاة و السلام_ له مجلس يجلس في المسجد؛ فمن كان له مهم عنده يأتيه هنالك."
وليس ذكر الدعوة إلى طعام تقييدًا لإباحة دخول بيوت النبي"لا يدخلها إلا المدعو إلى طعام، و لكنه مثالٌ للدعوة، و تخصيصٌ بالذكر كما جرى في القضية التي هي سبب النزول، فيلحق به كل دعوة تكون من النبي"وكل إذن منه بالدخول إلى بيته لغير قصد أن يطعم معه كما كان يقع ذلك كثيرًا.
ومن ذلك قصة أبي هريرة حين استقرأ من عمر آية من القرآن وهو يطمع أن يدعوه عمر إلى الغداء، ففتح عليه الآية، فإذا رسول الله قائم على رأس أبي هريرة وقد عرف ما به، فانطلق به إلى بيته، و أمر له بعُسّ من لبن ثم ثانٍ، ثم ثالث، وإنما ذكر الطعام، إدماجًا؛ لتبيين آدابه، ولذلك ابتدئ بقوله: [غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ] مع أنه لم يقع مثله في قصة سبب النزول. 22/81_82
13_ قال حماد بن زيد و إسماعيل بن أبي حكيم: هذه الآية أدبٌ أدَّبَ الله به الثقلاء.
وقال ابن أبي عائشة: حسبك من الثقلاء أن الشرع لم يحتملهم.
ومعنى الثقل فيه هو إدخال أَحَدٍ القلقَ والغمَّ على غيره من جراء عمل لفائدة العامل، أو لعدم الشعور بما يلحق غيره من الحرج من جراء ذلك العمل.
وهو من مساوي الخلق، لأنه إن كان من عمد كان ضرًا بالناس، وهو منهي عنه؛ لأنه من الأذى وهو ذريعة للتباغض عند نفاذ صبر المضرور؛ فإن النفوس متفاوتة في مقدار تحمل الأذى، ولأن المؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه؛ فعليه إذا أحس بأن قوله أو فعله يدخل الغم على غيره أن يكف عن ذلك ولو كان يجتني منه منفعة لنفسه؛ إذ لا يضر بأحد؛ لينتفع غيره إلا أن يكون لمن يأتي بالعمل حق على الآخر؛ فإن له طلبه مع أنه مأمور بحسن التقاضي، وإن كان إدخاله الغم على غيره عن غباوة وقلة تفطن له فإنه مذموم في ذاته، وهو يصل إلى حد يكون الشعور به بديهيًا.