فهرس الكتاب
6_ وبهذا تتبين أن إرادة علماء أهل الكتاب من هذه الآية لا يقتضي أن تكون نازلة بالمدينة حتى يتوهم الذين توهموا أن هذه الآية مستثناة من مكيات السورة كما تقدم.
والأظهر أن المراد من [الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ] من آمنوا بالنبي"من أهل مكة لأنهم أوتوا القرآن، وفيه علم عظيم هم عالموه على تفاضلهم في فهمه والاستنباط منه؛ فقد كان الواحد من أهل مكة يكون فظًّا غليظًا حتى إذا أسلم رق قلبه، وامتلأ صدره بالحكمة، وانشرح لشرائع الإسلام، واهتدى إلى الحق، وإلى الطريق المستقيم."
وأول مثال لهؤلاء، وأشهره، وأفضله هو عمر بن الخطاب، لِلْبَوْنِ البعيد بين حالتيه في الجاهلية والإسلام.
وهذا ما أعرب عنه قول أبي خراش الهذلي خالطًا فيه الجد بالهزل:
وعاد الفتى كالكهل ليس بقائل ... سوى العدل شيئًا فاستراح العواذل
فإنهم كانوا إذا لقوا النبي"أشرقت عليهم أنوار النبوة؛ فملأتهم حكمة وتقوى."
وقد قال النبي"لأحد أصحابه: =لو كنتم في بيوتكم كما تكونون عندي لصافحتكم الملائكة بأجنحتها+."
وبفضل ذلك ساسوا الأمة، وافتتحوا الممالك، وأقاموا العدل بين الناس مسلمهم وذمِّيهم، ومُعَاهَدِهم، وملأوا أعين ملوك الأرض مهابة.
وعلى هذا المحمل حمل [الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ] في سورة الحج، ويؤيده قوله _تعالى_: [وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإِيمَانَ] في سورة الروم. 22/145_146
7_ ولم تكن التماثيل المجسمة محرمة الاستعمال في الشرائع السابقة وقد حرمها الإسلام؛ لأن الإسلام أمعن في قطع دابر الإشراك لشدة تمكن الإشراك من نفوس العرب وغيرهم.
وكان معظم الأصنام تماثيل فحرم الإسلام اتخاذها لذلك، ولم يكن تحريمًا لأجل اشتمالها على مفسدة في ذاتها، ولكن لكونها كانت ذريعة للإشراك.