فهرس الكتاب
والأظهر عندي أن يكون هذا القول قالوه جوابًا عن مواعظ أنبيائهم والصالحين منهم حين ينهونهم عن الشرك، فهم يعظونهم بأن الله أنعم عليهم بتلك الرفاهية وهم يجيبون بهذا القول؛ إفحامًا لدعاة الخير منهم على نحو قول كفار قريش: [اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنْ السَّمَاءِ أَوْ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ] قبل هذا [فَأَعْرَضُوْا] فإن الإعراض يقتضي دعوة لشيء ويفيد هذا المعنى قوة [وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ] عقب حكاية قولهم؛ فإنه إما معطوف على جملة: [فَقَالُوا] أي فأعقبوا ذلك بكفران النعمة وبالإشراك؛ فإن ظلم النفس أطلق كثيرًا على الإشراك في القرآن، وما الإشراك إلا أعظم كفران نعمة الخالق. 22/176
11_ وأشارت الآية إلى التفرق الشهير الذي أصيبت به قبيلة سبا؛ إذ حملهم خراب السد، وقحولة الأرض إلى مفارقة تلك الأوطان مفارقة وتفريقًا ضربت به العرب المثل في قولهم: ذهبوا، أو تفرقوا أيدي سبا، أو أيادي سبا، بتخفيف همزة سبا؛ لتخفيف المثل.
وفي لسان العرب في مادة (يدي) قال المعري: لم يهمزوا سبا؛ لأنهم جعلوه مع ما قبله بمنزلة الشيء الواحد.
هكذا، ولعله التباس أو تحريف، وإنما ذكر المعري عدم إظهار الفتحة على ياء (أيادي) أو (أيدي) كما هو مقتضى التعليل؛ لأن التعليل يقتضي التزام فتح همزة سبا كشأن المركب المزجي.
قال في لسان العرب: وبعضهم ينوِّنه إذا خففه، قال ذو الرمة:
فيا لك من دار تفرق أهلها ... أيادي سبا عنها وطال انتقالها
والأكثر عدم تنوينه قال كثير:
أيادي سبا يا عز ما كنتُ بعدكم ... فلم يحلُ بالعينين بعدكِ منظر
والأيادي والأيدي فيه جمع يد، واليد بمعنى الطريق.
والمعنى: أنهم ذهبوا في مذاهب شتى يسلكون منها إلى أقطار عدة كقوله _تعالى_: [كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا] .
وقيل: الأيادي جمع يد بمعنى النعمة؛ لأن سبأ تَلِفت أموالهم.