فهرس الكتاب
فلذلك قال هنا: [وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِي وَأَيَّامًا آمِنِينَ] . 22/180_181
13_ من أجل ذلك كله كان حقًا على ولاة أمور الأمة أن يسعوا جهدهم في تأمين البلاد وحراسة السبل وتيسير الأسفار وتقرير الأمن في سائر نواحي البلاد جليلها وصغيرها بمختلف الوسائل، وكان ذلك من أهم ما تنفق فيه أموال المسلمين، وما يَبْذِلُ فيه أهلُ الخير من الموسرين أموالَهم؛ عونًا على ذلك، وذلك من رحمة أهل الأرض المشمولة لقول النبي": =ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء+."
وكان حقًا على أهل العلم والدين أن يرشدوا الأئمة والأمة إلى طريق الخير، وأن ينبهوا على معالم ذلك الطريق ومسالكه بالتفصيل دون الإجمال؛ فقد افتقرت الأمة إلى العمل، وسئمت الأقوال. 22/181
14_ [قٌلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلْ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (24) ] .
وهذا اللون من الكلام يسمى الكلام المنصف، وهو أن لا يترك المُجادلُ لخصمه موجبَ تَغَيُّظٍ واحتداد في الجدال، ويسمى في علم المناظرة إرخاء العنان للمناظِر ومع ذلك فقرينة إلزامهم الحجة قرينة واضحة.
ومن لطائفه هنا أن اشتمل على إيماء إلى ترجيح أحد الجانبين في أحد الاحتمالين بطريق مقابلة الجانبين في ترتيب الحالتين باللف والنشر المرتب وهو أصل اللفِّ.
فإنه ذكر ضمير جانب المتكلم وجماعته وجانب المخاطبين، ثم ذكر حال الهدى وحال الضلال على ترتيب ذكر الجانبين، فأومأ إلى أن الأولِين موجَّهون إلى الهدى والآخِرين موجهون إلى الضلال المبين، لا سيما بعد قرينة الاستفهام، وهذا _أيضًا_ من التعريض وهو أوقع من التصريح لا سيما في استنزال طائر الخصم.