فهرس الكتاب

الصفحة 567 من 864

وفيه _أيضًا_ تجاهل العارف؛ فقد التأم في هذه الجملة ثلاثة محسنات من البديع ونكتة من البيان فاشتملت على أربع خصوصيات. 22/192

15_ [وََقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (35) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (36) ] .

قفَّوا على صريح كفرهم بالقرآن وغيره من الشرائع بكلام كَنَّوا به عن إبطال حقية الإسلام بدليل سفسطائي؛ فجعلوا كثرة أموالهم وأولادهم حجة على أنهم أهل حظ عند الله _تعالى_ فضمير: [وَقَاْلُوْا] عائد إلى: [الَّذِينَ كَفَرُوا] من قوله: [وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ] الخ.

وهذا من تمويه الحقائق بما يحف بها من العوارض؛ فجعلوا ما حف بحالهم في كفرهم من وفرة المال والوالد حجة على أنهم مظنة العناية عند الله، وأن ما هم عليه هو الحق.

وهذا تعريض منهم بعكس حال المسلمين بأن حال ضعف المسلمين، وقلة عددهم، وشظِف عيشهم حجة على أنهم غير محظوظين عند الله، ولم يتفطنوا إلى أن أحوال الدنيا مسببة على أسباب دنيوية لا علاقة لها بأحوال الأولاد.

وهذا المبدأ الوهمي السفسطائي خطير في العقائد الضالة التي كانت لأهل الجاهلية والمنتشرة عند غير المسلمين، ولا يخلو المسلمون من قريب منها في تصرفاتهم في الدين، ومرجعها إلى قياس الغائب على الشاهد، وهو قياس يصادف الصواب تارة، ويخطئه تارات.

ومن أكبر أخطاء المسلمين في هذا الباب خطأ اللجَأ إلى القضاء والقدر في أعذارهم، وخطأ التخلق بالتوكل في تقصيرهم وتكاسلهم. 22/212_213

16_ وبهذا أخطأ قول أحمد بن الراوندي:

كم عاقلٍ عاقلٍ أعيت مذاهبُه ... وجاهلٍ جاهلٍ تلقاه مرزوقا

هذا الذي ترك الأوهام حائرةً ... وصيَّر العالمَ النحريرَ زنديقا

فلو كان عالمًا نحريرًا لما تحير فهمه، وما تزندق من ضيق عطن فكره. 22/214

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت