فهرس الكتاب
وفي كتاب ابن المبارك في الزهد بسنده عن الزهري بلغنا أن رسول الله"قال: =لا تمكر، ولا تُعن ماكرًا فإن الله يقول: [وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ] +. ومن كلام العرب: =من حفر لأخيه جبًا وقع فيه منكبًا+."
ومن كلام عامة أهل تونس =يا حافر حفرة السوء ما تحفر إلا قياسك+.
وإذا كان تعريف (المكر) تعريف العهد كان المعنى: ولا يحيق هذا المكر إلا بأهله، أي الذين جاءهم النذير؛ فازدادوا نفورًا، فيكون موقع قوله: [وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ] موقع الوعيد بأن الله يدفع عن رسوله"مكرهم، ويحيق ضُرّ مكرِهم بهم بأن يسلط عليهم رسوله على غفلة منهم كما كان يوم بدر ويوم الفتح،فيكون على نحو قوله _تعالى_: [وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ] فالقصر حقيقي."
فكم انهالت من خلال هذه الآية من آداب عمرانية، ومعجزات قرآنية، ومعجزات نبوية خفية. 22/335_336
9_ واعلم أن قوله _تعالى_: [وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ] قد جعل في علم المعاني مثالًا للكلام الجاري على أسلوب المساواة دون إيجاز ولا إطناب.
وأول من رأيته مثل بهذه الآية للمساواة هو الخطيب القزويني في الإيضاح وفي تخليص المفتاح، وهو مما زاده على ما في المفتاح، ولم يمثل صاحب المفتاح للمساواة بشيء ولم أدر من أين أخذه القزويني؛ فإن الشيخ عبدالقاهر لم يذكر الإيجاز والإطناب في كتابه.
وإذ قد صرح صاحب المفتاح أن المساواة هي متعارف الأوساط وأنه لا يحمد في باب البلاغة ولا يذم _ فقد وجب القطع بأن المساواة لا تقع في الكلام البليغ، بَلْهَ المعجز.