فهرس الكتاب
وأيضًا ذلك كانت البشارة به بمحضر سارة أمه وقد جعلت هي المبشرة في قوله _تعالى_: [فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَقَ يَعْقُوبَ (71) قَالَتْ يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا] .
فتلك بشارة كرامة والأولى بشارة استجابة دعائه، فلما ولد له إسماعيل تحقق أمل إبراهيم أن يكون له وارث من صلبه.
فالبشارة بإسماعيل لما كانت عقب دعاء إبراهيم أن يهب الله له من الصالحين عُطفت هنا بفاء التعقيب، وبشارته بإسحاق ذكرت في هذه السورة معطوفًا بالواو عطف القصة على القصة. 23/149
5_ والفاء في [فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ] فصيحة؛ لأنها مفصحة عن مقدر، تقديره: فولد له، ويفع، وبلغ السعي، فلما بلغ السعي قال يا بني الخ، أي بلغ أن يسعى مع أبيه، أي بلغ سن من يمشي مع إبراهيم في شؤونه. 23/149_150
6_ وأمر الله إبراهيم بذبح ولده أمرُ ابتلاء.
وليس المقصود به التشريع؛ إذ لو كان تشريعًا لما نسخ قبل العمل به؛ لأن ذلك يفيت الحكمة من التشريع بخلاف أمر الابتلاء.
والمقصود من هذا الابتلاء إظهار عزمه وإثبات علو مرتبته في طاعة ربه؛ فإن الولد عزيز على نفس الوالد، والولد الوحيد الذي هو أمل الوالد في مستقبله أشد عزة على نفسه لا محالة، وقد علمتَ أنه سأل ولدًا ليرثه نَسْلُه ولا يرثه مواليه؛ فبعد أن أقر الله عينه بإجابة سؤله وترعرع ولده أمره بأن يذبحه، فينعدم نسله، ويخيب أمله ويزول أنسه، ويتولى بيده إعدام أحب النفوس إليه، وذلك أعظم الابتلاء، فقابل أمر ربه بالامتثال، وحصلت حكمة الله من ابتلائه، وهذا معنى قوله _تعالى_: [إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ] .