فهرس الكتاب
وإنما برز هذا الابتلاء في صورة الوحي المنامي؛ إكرامًا لإبراهيم عن أن يُزْعَجَ بالأمر بذبح ولده بوحي في اليقظة؛ لأن رؤى المنام يعقبها تعبيرها؛ إذ قد تكون مشتملة على رموز خفية وفي ذلك تأنيس لنفسه لتلقي هذا التكليف الشاق عليه وهو ذبح ابنه الوحيد.
والفاء في قوله: [فَانظُرْ مَاذَا تَرَى] فاء تفريع، أو هي فاء الفصيحة، أي إذا علمت هذا فانظر ماذا ترى.
والنظر هنا نظر العقل، لا نظر البصر، فحقه أن يتعدى إلى مفعولين، ولكن علّقه الاستفهام عن العمل.
والمعنى: تأمل في الذي تقابل به هذا الأمر، وذلك لأن الأمر لما تعلق بذات الغلام كان للغلام حظ في الامتثال، وكان عرض إبراهيم هذا على ابنه عرض اختبار لمقدار طواعيته بإجابة أمر الله في ذاته؛ لتحصل له بالرضى والامتثال مرتبة بذل نفسه في إرضاء الله وهو لا يرجو من ابنه إلا القبول؛ لأنه أعلم بصلاح ابنه، وليس إبراهيم مأمور بذبح ابنه جبرًا، بل الأمر بالذبح تعلق بمأمورين: أحدهما بتلقي الوحي، والآخر بتبليغ الرسول إليه؛ فلو قدر عصيانه لكان حاله في ذلك حال ابن نوح الذي أبى أن يركب السفينة لما دعاه أبوه فاعتبر كافرًا. 23/150_151
7_ [وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَقَ نَبِيًّا مِنْ الصَّالِحِينَ (112) وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (113) ] .
هذه بشارة أخرى لإبراهيم ومكرمة له، وهي غير البشارة بالغلام الحليم، فإسحاق غير الغلام الحليم.
وهذه البشارة هي التي ذكرت في القرآن في قوله _تعالى_: [فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَقَ يَعْقُوبَ] .
وتسمية المبشر به إسحاق تحتمل أنَّ اللهَ عَيَّنَ له اسمًا يسميه به وهو مقتضى ما في الإصحاح السابع عشر من التكوين: =سارة امرأتك تلد ابنًا وتدعو اسمه إسحاق+.