فهرس الكتاب

الصفحة 603 من 864

ذلك أن هوى النفس يكون في الأمور السهلة عليها الرائقة عندها، ومعظم الكمالات صعبة على النفس؛ لأنها ترجع إلى تهذيب النفس، والارتقاء بها عن حضيض الحيوانية إلى أوج المَلَكِية، ففي جميعها أو معظمها صرفٌ للنفس عما لاصَقَها من الرغائب الجسمانية الراجع أكثرها إلى طبع الحيوانية؛ لأنها إما مدعوةٌ لداعي الشهوة، أو داعي الغضب؛ فالاسترسال في اتباعها وقوعٌ في الرذائل في الغالب؛ ولهذا جُعل هنا الضلال عن سبيل الله مُسَبَّبًا على اتباع الهوى، وهو تَسَبُّبٌ أغلبي عرفي؛ فشبَّه الهوى بسائرٍ في طريق مهلكة على طريقة المكنية، ورمز إليه بلازم ذلك، وهو الإضلال عن طريق الرشاد المعبر عنه بسبيل الله؛ فإن الذي يتبع سائرًا غيرَ عارفٍ بطريق المنازل النافعة لا يلبث أن يجدَ نفسَه وإياه في مهلكة، أو مقطعة طريق. 23/244

6_ وقد بدت من إبليس نزعة كانت كامنة في جِبِلَّتِه وهي نزعة الكبر والعصيان، ولم تكن تظهر منه قبل ذلك؛ لأن الملأ الذي كان معهم كانوا على أكمل حسن الخلطة، فلم يكن منهم مثيرٌ لما سكن في نفسه من طبع الكبر والعصيان.

فلما طرأ على ذلك الملأ مخلوق جديد، وأُمر أهل الملأ الأعلى بتعظيمه كان ذلك موريًا زناد الكبر في نفس إبليس، فنشأ عنه الكفر بالله، وعصيان أمره.

وهذا ناموس خُلُقي جعله الله مبدأ لهذا العالم قبل تعميره، وهو أن تكون الحوادث والمضائق معيار الأخلاق والفضيلة، فلا يحكم على نفس بتزكية أو ضدها إلا بعد تجربتها وملاحظة تصرفاتها عند حلول الحوادث بها.

وقد مُدح رجل عند عمر بن الخطاب بالخير، فقال عمر: هل أريتموه الأبيض والأصفر? يعني الدراهم والدنانير، وقال الشاعر:

لا تمدحن امرءًا حتى تجربه ... ولا تذمنه من قبل تجريب

إن الرجال صناديق مقفلة ... وما مفاتيحها غير التجاريب

1_ سميت (سورة الزمر) من عهد النبي"، فقد روى الترمذي عن عائشة قالت: =كان النبي"لا ينام حتى يقرأ الزمر وبني إسرائيل+.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت