فهرس الكتاب
  • 📄

  • 📄
الصفحة 44 من 90

... فقد قسم صاحب منازل السائرين الحياءَ إلى درجات ثلاثٍ [1] .-وفي تقسيمه شيءٌ من نَفَسِ الصوفية لا يخفى-, كما نقله عنه ابن القيم-رحمه الله- في كتابه العُجاب مدارج السالكين. أنقله هنا مع مزيد بيان أُورِدُهُ بتصرف, فقد قُسِّمَ الحياء إلى درجات ثلاث:

الدرجة الأولى: حياء يتولد من علم العبد بنظر الله إليه: فيجذبه إلى تحمل هذه المجاهدة، ويحمله على استقباح الجناية ويسكته عن الشكوى:

أي: أنَّ العبد متى علم أنَّ الرب تعالى ناظرٌ إليه أورثه هذا العلم حياءً منه يجذبه إلى احتمال أعباء الطاعة, والرب تعالى لا يغيب نظره عن عبده, ولكنْ يغيب نظر القلب والتفاته إلى نظره الله إلى عباده, فإن القلب إذا غاب نظره وقلَّ التفاته إلى نظر الله تبارك وتعالى إليه تولد من ذلك قلة الحياء والقحة, وكذلك يحمله على استقباح جنايته؛ ولذلك فإن هذا الحياء يَكفُّ العبد أن يشتكي لغير الله فيكون قد شكا الله إلى خلقه, ولا يمنع الشكوى إليه سبحانه فإن الشكوى إليه سبحانه فقرٌ وذلةٌ وفاقةٌ وعبوديةٌ فالحياء منه في مثل هذا لا ينافيها.

الدرجة الثانية: حياء يتولد من النظر في علم القُرْب، فيدعوه إلى ركوب المحبة، ويربطه بروح الأنس ويُكرِّهُ إليه ملابسة الخلق:

فالنظر في علم القرب يُحقق للقلب المعية الخاصة مع الله, فإن المعية نوعان:

1.عامة: وهي معية العلم والإحاطة, كقوله تعالى: { وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ } [2] .

2.خاصة: وهي معية القرب, كقوله تعالى: { إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ } [3] فهذه معية قُرْبٍ تتضمن الموالاة والنصر والحفظ.

(1) منازل السائرين ، 1/54 ، باب الحياء .

(2) سورة الحديد ، آية 4 .

(3) سورة النحل ، آية 128 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت