... فكلما عظم مقام المشاهدة أو المراقبة حسُنَ العمل. وأعلى من مقام المراقبة مقام المشاهدة، والمقصود بالمشاهدة: مشاهدة الصفات لا مشاهدة الذات؛ لأن الصوفية والضُّلال هم الذين جعلوا ذلك مدخلا لمشاهدة الذات -زعموا-، وهذا من أعظم الباطل والبهتان، وإنما الممكن مشاهدة الصفات، ويُعْنَى بها مشاهدة آثار صفات الله -جل وعلا- في خلقه.
... فإن العبد المؤمن كلما عظم عِلمه وعظم يقينه بصفات الله -جل وعلا- وبأسمائه أرجعَ كل شيء يحصل في ملكوت الله إلى اسم من أسماء الله -جل وعلا- أو إلى صفة من صفاته.
... فإذا رأى حسنًا أمامه أرجعه إلى صفة من صفات الله وإلى أثر من آثار أسمائه الحسنى في ملكوته، وإذا رأى سيئًا أرجعه إلى صفة من صفاته، وهكذا ..., فأيُّ حالةٍ يراها في السماء أو في الأرض فإن مقام مشاهدته لصفات الله يقتضي أنه يُرجع كلَّ شيء يراه إلى آثار أسماء الله -جل وعلا- وصفاته في خلقه.
... وهكذا يحصل هذا المقام لمن عظُمَ علمه بأسماء الله - عز وجل - وبصفاته وبأثرها في ملكوته، فيأتي لعظم علمه بذلك فيشهد صفة إحاطة الله -جل وعلا- بالعبد، وأنَّ الله -جل وعلا- رقيب عليه, محيطٌ به، وأنه شاهد عليه, فيعظم ذلك في نفسه حتى يستحي أنْ يكشف عورته في خلوةٍ لا يراه إلا هو -كما جاء في الحديث-، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في كشف العورة: (إن الله أحق أن يستحيى منه) [1] ؛ كلُّ هذا لأجل مقام المشاهدة العظيم [2] .
(1) سيأتي تخريجه .
(2) انظر: شرح الأربعين النووية ، ص 42-44 .