فهرس الكتاب
إذن فالقضية تبدت له وكأنها حربٌ جديدة يتحتم عليه خوض غمارها, فالأمر لا يتعلق في نظره بلسانٍ ينطق حروفًا أو قلمٍ يكتبها, كلا.. الأمر أكبر من ذلك, لقد كان يرى أن الأبعاد الخطيرة لأطروحات التجديد وإن بدت فنية صرفة إلا أنها تؤدي في النهاية إلى تجفيف المنابع وتنحية المصادر الربانية عن منهج الأمة التي لا يمكن فهمها ومن ثم تطبيقها دون فهمٍ سليمٍ للغة التي كتبت بها.
فالهدف خبيث والمراد أخبث فهو ليس الأدب بل مدخل الأدب ذريعة لنقض ثوابت الدين
وتأمل معي هذه الصورة البانورامية الهرمية التي أبدعها حين قال واصفًا تذوّق اللغة:
( ثم ما هي اللغة؟ أفرأيت قط شعبًا من الدفاتر قامت عليه حكومة من المجلدات وتملك فيها مَلك من المعجمات الضخمة ... أم اللغة هي أنت وأنا ونحن وهو وهي وهم وهن, فإذا أهملناها ولم نأخذها على حقها ولم نحسن القيام عليا وجئت أنت تقول: هذا الأسلوب لا أسيغه فما هو من اللغة, ويقول غيرك: وهذا لا أطيقه فما هو منها, وتقول الأخرى: وأنا امرأة أكتب كتابة أنثى ... وانسحبنا على هذا نقول بالرأي ونستريح إلى العجز ونحتج بالضعف ويتخذ كل منا ضعفه أو هواه مقياسًا يحدُّ به علم اللغة في أصله وفرعه, فما عسى أن تكون لغتنا هذه بعدُ
وما عسى أن يبقى منها وأين تكون نهايتها؟ ثم أي علم من العلوم يصلح على مثل هذا أو يستقيم عليه؟ وفيمَ تكون المجاذبة والمدافعة, وبم يقوم المراء والجدل إذا اتفقنا على أن بعض الجهل لا يمكن أن يكون قاعدة في بعض العلم؟
إن هذه العربية بنيت على أصل سحري يجعل شبابها خالدًا عليها فلا تهرم ولا تموت, لأنها أُعدت من الأزل فلكًا دائرًا للنيِّرَين الأرضيِّين العظيمين . كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم, ومن ثم كانت فيها قوة عجيبة من الاستهواء كأنها أُخْذَة السحر, لا يملك معها البليغ أن يأخذ أو يدع.) إ.هـ
إن ما سُطّر أعلاه لينوء بالعصبة أولي قوة !