فهرس الكتاب
والذي يتتبع تلك الكرامات وناقليها، يجد تدخّل المشايخ الواضح في نسجها وتقريرهم لها والسعي إلى ترويجها. وهذا ما كان يفعله الصوفية الأوائل، أورد الذهبي في كتابه سير أعلام النبلاء قصة للحلاج تدل على خبث هذا الرجل وبعد نظره ، وإليك نصها: إن الحلاج كان قد أنفذ أحد أصحابه إلى بلاد الجبل ووافقه على حيلة يعملها ، فسافر وأقام عندهم سنين، يظهر النسك والعبادة، وإقراء القرآن والصوم، حتى إذا علم أنه قد تمكن، أظهر أنه قد عمي فكان يقاد إلى المسجد ويتعامى شهورًا، ثم أظهر أنه قد زمن، فكان يحمل إلى المسجد حتى مضت سنة على ذلك، وتقرر في النفوس زمانته وعماه، فقال لهم بعد ذلك: رأيت في النوم كأن النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول لي: إنه يطرق هذا البلد عبد مجاب الدعوة تعافى على يده، فاطلبوا لي كل من يجتاز من الفقراء، فلعلّ الله أن أعافى فتعلّقت النفوس بذلك العبد، ومضى الأجل الذي بينه وبين الحلاج، فقدم البلد ولبس الصوف وعكف في الجامع، فتنبّهوا له وأخبروا الأعمى فقال: احملوني إليه فلما حصل عنده وعلم أنه الحلاج قال: يا عبد الله إني رأيت منامًا، وقصه عليه فقال: من أنا وما محلي، ثم أخذ يعدو له ومسح يده عليه، فقام المتزامن صحيحًا بصيرًا فانقلب البلد وازدحموا على الحلاج، فتركهم وسافر وأقام المعافى شهورًا ثم قال لهم: إن من حق الله عندي ورده جوارحي علي، أن أنفرد بالعبادة وأن أقيم في الثغر وأنا أستودعكم الله فأعطاه هذا ألف درهم، وقال: اغز بها عني وأعطاه هذا مائة دينار وقال: اخرج بها في غزوة وأعطاه هذا مالًا وهذا مالًا حتى اجتمع له ألوف دنانير ودراهم ، فلحق بالحلاج وقاسمه عليها.