فهرس الكتاب
الشاب في خلال الغاب وسرنا نحو ما قصدنا قاب قوسين أو أدنى وتفرقت على المكاري الشعاب
فاخطأ صوب الصواب وأضل الأسباب فسلك ذات اليمين طريقا ترجح عنده وانقلب على عقبه فسلك
ضده ثم ارتد ثانيا ولوى عطفه ثانيا ولعن الحصان الذي تحته وسبه وألحق به دينه ومذهبه ومن باعه
ومن ركبه وأمواته وأحياءه وعشائره وأحباءه ووقف بين الطرق وقفة المتخير والأحرى في العبارة
أن يقول أن تقول وقفة المتحير يتنفس حسره ويتلفت يمنه ويسره بنفس يائسة بين جبال يابسة عابسة
في معطشة تجفف الريق في الحلوق وتكاد تسيل الدم من العروق فصرنا نتردد بين تلك الجبال ترددا
لحب بين جوانب الغربال
كريشة بمهب الريح ساقطة لا تستقر على حال من القلق
ثم جازفنا إلى طريق توخيناه فاهتدينا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله فوافينا خضرة ونضرة
وجمال سمعة ونظرة وأشجار وأنهار وأثمار وأزهار وحدائق ذات بهجة وحقائق تنعش المهجة حتىانتهينا إلى موضع غدير من ماء نمير غزير الموارد عذب بارد غير مزدحم بالصادر والوارد ونهر
أحلى من لمى العذراء يعرف بالعين الخضراء وجدناه (دع النهر الأسود) أبهى من العين السوداء
وأشهى من الوجنة الخمراء وأغلى من البيضاء والصفراء وأحسن ما تحت الزرقاء وفوق الغبراء
تحف حافتيه أشجار بديعة الائتلاف والاصطفاف مكللة بآلاف من الفاكهة متنوعة الأصناف عاليها من
رونق الورق المونق ثياب سندس خضر واستبرق ومن الثمر والزهر أنواع زمرد وجوهر والنهر
بفرط صفائه ورقة مائه ينم على ما بأسفل أجزائه من رمله وحصبائه كأنها در منثور في باطن بلور
أو كافور مذرور في غلائل من نور يظفر فيه كل من الخمسة الحواس بصحته من نعيمه ولذته
فالباصرة بحسن رؤيته وبهجته واللامسة بلطف ملمسه مع برودته والذائقة بعذوبته والسامعة بخرير
تياره والشامة بعبير أشجاره وأزهاره فلم نتمالك أن ملنا إليه وترامينا عليه لائذين من خطر ما مر