فهرس الكتاب
الخديوية آخر النهار قاصدين هذه الديار والهواء خفيف والموج ضعيف والبحر غير عنيف فأقلعنا
بتلك الجارية السوداء تتبختر الحسناء وتمشي مشية الخيلاء وقد يرى الرائي أنها من الأولياء لأنها
تمشي على الماء فلما قربنا إلى يافا أخذ الهواء يشتد والبحر يحتد والجزر والمد يتوالى ويمتد وتجيد
كفوف الأمواج السواري على دفوف تلك المنشآت الجواري فنون الضرب والنقر وتزمر الرياح
فترقص تلك الخرد الخود من تلك البيض والسود على نغمة الزمر فلما وصلنا إلى مينا يافا لم نجسر
أن ننزل إلى البر خيفة من غائلة البحر وكان لنا عند بعض الصحب فيها وديعة أودعناها إياه فقلنا إذ
تعذر علينا طلابها نستودعها الله فإذا بصاحبنا أقبل بها يشق بفلكه أمواه الأمواج ويغالب منها الأفواج
بعد الأفواج من فرادى وأزواج فسلمها إلينا وانصرف راجعا إلى البلدة بسلام وبعث لنا برمان من
رمانها الامليسي يطفئ حر الأورام وينشق عن مثل حب الغمام والثغر الاشنب البسام فكان من أطيب
ما رأيناه من فاكهة بلاد الشام إذ كان أكثرها ما أصبناه منها فجا لم يتم على أصوله نضجا ثم أقلعت
الباخرة من مرفأ يافا والبحر على غلوائه يتخبط في اهوائه ويهيم بسودائه ترميه بشرار نارها
ويرميها فلما فار بنا بور سعيد سكن جاش الهواء وهذا اروع الماء وخف نبض الموج واعتدل مزاج
السفينة وعلت على البحر الطمأنينة والسكينة حتى اشرفنا على المدينة فأرسينا في مرفئها المأمون
على الطائر الميمون وقلنا ما شاء الله كان وما لم يكون ونزلت أتيمن بترب الوطن ومائه وأرضهوسمائه وأتلذذ باستنشاق طيب هوائه متمتعا بحسن روائه وأترشف من ثغر النيل سلافة الراح لا
أسمع ملامة اللاحي (وأشرب الحلو من أكواب ملاح) ثم سرنا من بورت سعيد إلى الإسكندرية
فوصلناها صبيحة الجمعة بغير عناء ولا مقاساة شدة هواء وكان الناس يخوفوننا تلك المسافة فيما تقدم