فهرس الكتاب
ومركز تجارتها الآن وفيها من حسان الروم ما يهوى القلب ويروم مما يروق الناظر ويشوق الخاطر
ويستوقف السائر ويستهوي الطير الطائر ويأسر اللسان والخاطر
ولكن الفتى العربي فيها غريب الوجه واليد واللسان
ملاعب جنة لوسار فيها سليمان لسار بترجمان
وكان معنا في الوابور رجل من أهل تلك الجهات رمته صروف المقدور بالبين والشتات وطوحتبه يد الإقتار إلى سائر الديار والأقطار حتى صار منظره عبرة لمن يعتبر ومخبره أضحوكة لمن
يختبر فأخذناه بحكم الضرورة معنا ترجمانا واتخذناه في تلك الحاضرة لنا لسانا ولكنا تخالفت أحوالنا
وتباينت أغراضنا وآمالنا فكان همه البحث عن الحشيش والأفيون وأنواع ذاك المجون وأن كان يبدي
التورع في الظاهر عن ابنة الزرجون وهمنا الاطلاع على الأحوال والمعاني والمباني والمغاني
والأغاني والغواني كما قال الأول"رفيقك قيسي وأنت يماني".
جهد البلاء ضحية الأضداد فإنها كي على الفؤاد
فكنا نفترق أكثر نتفق ونختلف أكثر مما نأتلف وكان الرجل قد فارق تلك الأوطان وهو دون الحلم لم
يجر عليه القلم وعاودها الآن وهو أقدم من أبي الهول وأطول عمرا من الهرم فكان يعبر لهم عن
بعض ما نريده من الأشياء بمجهول من قديم الأسماء قد ثقل عليهم استعماله واستحسن لديهم استبداله
لديهم استبداله فلا يعرفونه حق المعرفة إلا بالإشارة أو الصفة وهو يلوم عليهم في ذلك ويمكر ويدمدم
ويزمجر ويقول تعس الزمان ولعن الشيطان يا قوم ما لكم سرتم على غير هدى وأضعتم أصول لغتكم
سدى فأدخلتم فيها الدخيل وأخرجتم الأصل الأصيل آمالكم في المحافظة على هذه اللغة من أرب أن
تريدون أن تكونوا من الترك أو العرب والقوم يضحكون عليه ويجتمعون حواليه والشيخ ينكر
ويزجر يهذر وأنا أتخيل أن الله أنشر لهم بعض قدمائهم من القبور فجاء يعلمهم من لسان آبائهم القديم
المهجور ثم ما زلنا نطوف وندور إلى أن دنا قيام الوابور فخرجنا من البلد مسرعين وعدنا إلى