فهرس الكتاب
الوابور راجعين فرفعت مراسيه وسار بنا إلى ما نقاسيه وكان المساء قد أظل والليل قد أطل فماودعنا هذه الدور حتى استقبلنا البحر بالطبول والزمور وعجائب الأهوال وغرائب الأمور فعصفت
العواصف واشتدت الرياح القواصف وهاج الماء وماج وتعاظمت الأمواج وصار الوابور يغالبها
وتغالبه ويحاربها وتحاربه.
ترى الصراري والأمواج تضربه تعلوه طورا ويعلو فوقها نيرا
فلو ترى الوابور والأمواج تدفعه وترفعه ثم تضعه فينزل حتى تقول وصل إلى قرار الماء.
ويصعد حتى يظن الجهول بأن له حاجة في السماء
وهو مع ذلك يتقلب من جنب إلى جنب ويتدافع من غرب لشرق ومن شرق لغرب ويرتعد ارتعاد
المحموم ويتململ تململ المسموم ويتحرك حركة المذبوح ويخفق خفقة البرق اللموح
كريشة بمهب المريح ساقطة لا تستقر على حال من القلق
والبحر يرش داخل الوابور بمائه ويقلب على من فيه أنواع بلائه حتى ساءت الظنون وسالت
العيون وبلغت القلوب الحناجر وسرنا من القلق على أمثال الخناجر وما زال الوابور يضطرب
ويمور ويئن ويخور والبحر يظلم ويجور ويغلي ويفور حتى أشرق الصبح بالنور وهزمت جنوده
عساكر الديجور فسكن الهواء وركد الماء واطمأنت السفينة ونزلت السكينة وسرنا في ريح لينة وحالة
هينة حتى القينا ليلة الثلاثاء مراسي المسير في ساحل البلدة الشهيرة بازمير فخرجنا إليها مصبحين
ودرنا في أسواقها غادين ورائحين فإذا هي قطعة من اسلامبول في تركيبها ووضعها وترتيبها
وأسواقها ودورها وعامة أمورها واللسان العام بها لسان آل عثمان فلم نحتج بها إلى استصحابترجمان وحلنا فيها ساعات من اليوم المذكور وعدنا بعد ذلك إلى الوابور ثم قمنا منها ورحلنا عنها
وسرنا وليس في الريح نفس ولا مقدار ما يطفئ القبس والبحر أصفى من المرآة وأنقى من خد الفتاه
فوصلنا اسلامبول في يوم الخميس الماضي أول النهار وألقينا بها عصى التيسار ومسبنا ما مضى من