فهرس الكتاب
في الكرنتينة من البأس ومهما نسيت فلا أنسى مساعدته للمسافرين في الوابور وملاطفتهم في جميع
الأمور ومواساة فقرائهم بقدر المقدور وقد ولدت امرأة من الجراسكة فساعدها في ذلك الضيق وحشد
لها النساء من كل فج عميق ومن غرائب الاتفاقيات أن وابورنا هذا ولدت فيه جميع أنواع الحيوانات
فأنا جئنا شيرة ولدت فيه كلبة صيد أحد عشر جروا وذلك من الغرائب فلما سرنا منها وصرنا إلى
اللجة أرنبة بها ثمانية أرانب فلما رؤى الفنار ولدت قطة أيضا كانت في الوابور فلما دخلنا البوغاز
ولدت جاموسة كانت أيضا في الوابور المذكور وولدت تلك الجركسية وتمخضت للولادة امرأة رومية
فزادت بحمد الله الأعداد وكثرت البنات والأولاد وأخاف إن طال عليهم الأمد أن يقعوا في الطويل
العريض ولا يبقى فيهم أحد حتى يبيض أو يلد أو يحيض فأسعفونا بسرعة الخروج قبل أن تضيق
بكثرة هذا النسل المروج ويبلغوا إلى عدد يأجوج ومأجوج فقد بلغ طول المدة المنتهى وكل شيء بلغ
الحد انتهى.
وكتب من الكرنتينة أيضا إلى صاحبه المرحوم محمد زيور بيك
أهدي إليك مزيد السلام وأسأل عن عزيز خاطرك على الدوام وأشكو إليك لاعجة الاشتياق وما
دفعت إليه من هذا الافتراق وأتمثل بقول إبراهيم بن سعل الاشبيلي
وتا لله ما فارقتكم عن ملالة ولكن فراق السيف كف شبيب
وقد قال قبله أبو الطيب المتنبيبرغم شبيب فارق السيف كفه وكانا على العلات يصطحبان
وبعد فإن تفضلت بالسؤال عما عندنا الأحوال فقد خفف الله وله الشكر ما كنت أشكوه من الضر
فذهب منه الكثير ولم يبق إلا اليسير وقد كنت أرى أن ما أصابني في اسلامبول إنما هو من برد
هوائها فلما شربت من ماء النيل السعيد علمت أن في ذلك مدخلا عظيما لمائها وقد سرنا من
اسلامبول مع مساعدة الهواء حتى وافينا الإسكندرية صبيحة الأربعاء فرسم علينا بالكرنتينة أيام كانت
أشق من السفر ولحق المسافرين منها ما لا مزيد فوقه من الضجر والقلق والكدر ولكن كان معنا