الصفحة 106 من 139

يُسَاءَ إلَيْهِ مَا إذَا أَحْسَنَ بِلَا قَصْدِ أَنْ يُسِيءَ بَعْدُ فَلَيْسَ ذَلِكَ مَكْرًا وَخَدِيعَةً وَلَوْ ظَهَرَ لَهُ بَعْدُ فَأَسَاءَ وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ: بِلَا مُبِيحٍ مَا إذَا أَبَاحَ الشَّرْعُ لَهُ ذَلِكَ كَمَا مَرَّ أَنَّ الْحَرْبَ خُدْعَةٌ وَكَمَا أَنَّ لَهُ أَنْ يَلِينَ لِعَدُوِّهِ لِئَلَّا يَتَشَمَّرَ فِي كَيْدِهِ حَتَّى تُمَكِّنَهُ الْفُرْصَةُ وَيَكُونُ الْمَكْرُ وَالْخَدِيعَةُ مُجَازَاةً عَلَى شَرٍّ مُتَقَدِّمٍ أَوْ شَرٍّ مَقْصُودٍ لِمَا بَعْدُ فَهُمَا لِهَذَا الْقَصْدِ وَلِلْمَقْصُودِ وَعَطْفُ الْخَدِيعَةِ عَلَى الْمَكْرِ عَطْفُ تَفْسِيرٍ وَهُمَا أَنْ تُوهِمَ غَيْرَكَ خِلَافَ مَا تُخْفِيهِ مِنْ الْمَكْرُوهِ لِتُزْلِقَهُ عَمَّا عِنْدَهُ أَوْ مَا هُوَ بِصَدَدِهِ وَقَدْ بَحَثْتُ فِي هَذَا التَّعْرِيفِ فِي مَا شَرَحْتُ مِنْ دَعَائِمِ ابْنِ النَّظَرِ أَوْ الْمَكْرُ الْإِخْفَاءُ وَالْخَدِيعَةُ فِعْلٌ مُرَتَّبٌ عَلَى الْمَكْرِ أَوْ بِالْعَكْسِ. (وَقَدْ يَكُونَانِ بِلَا مُجَازَاةٍ) بِأَنْ يَفْعَلَهُمَا لِمَنْ فَعَلَ لَهُ خَيْرًا أَوْ لِمَنْ لَمْ يَفْعَلْ لَهُ خَيْرًا وَلَا شَرًّا وَلَمْ يَقْصِدْ لَهُ شَرًّا (وَجَازَا فِي حَرْبٍ مُبَاحَةٍ) بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ أَوْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمُنَافِقِينَ وَكَذَا لَا يُؤَاخَذُ بِهِمَا الْمُنَافِقُ أَوْ الْمُشْرِكُ فِي حَرْبٍ تَحِلُّ لَهُ بِأَنْ ظَلَمَهُ ظَالِمٌ (كَ) جَوَازِ (كَذِبٍ بَيْنَ أَخَوَيْنِ) فِي اللَّهِ أَوْ النَّسَبِ (تَشَاجَرَا) اخْتَلَفَا فِي شَيْءٍ فَتَقَاطَعَا عَلَيْهِ (أَوْ زَوْجَيْنِ عَلَى صُلْحٍ بَيْنَهُمَا) أَيْ بَيْنَ الْأَخِ أَوْ الزَّوْجِ وَالْأَخِ الْآخَرِ أَوْ الزَّوْجِ الْآخَرِ. (وَبَيْنَ أَهْلِ حَرْبٍ مُبَاحَةٍ) بِأَنْ يَمْكُرَ بِمَا يَنْفَعُ مَنْ أُبِيحَ لَهُ الْقِتَالُ أَوْ تَوْرِيَةً وَبَيْنَ الْوَلَدِ وَالْوَالِدِ أَوْ الْوَالِدَةِ وَبَيْنَ الْقَرَابَةِ يَقُولُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ مَا لَمْ يَكُنْ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ لِلْكُفَّارِ إنَّ الْمُسْلِمِينَ قَدْ رَجَعُوا فَلَا يَاخُذُ الْكُفَّارُ فِي أُهْبَةِ الْحَرْبِ أَوْ لَا طَاقَةَ لَكُمْ عَلَيْهِمْ لِكَثْرَتِهِمْ وَشِدَّتِهِمْ فَيَهْرُبُ الْكُفَّارُ وَمِثْلُ أَنْ يَقُولَ لِلزَّوْجَةِ إنَّ زَوْجَكَ يُحِبُّكَ وَيَقُولُ يَفْعَلُ لَكَ سِوَارًا مِنْ فِضَّةٍ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ وَمِثْلُ أَنْ يَقُولَ إنَّ أَخَاكَ فُلَانًا يُسَلِّمُ عَلَيْكَ وَيَقُولُ إنَّهُ قَدْ نَدِمَ عَلَى مَا صَارَ مِنْهُ إلَيْكَ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِمَعْرَضَةٍ فَأَحْسَنُ بَلْ قِيلَ لَا يَجُوزُ بِلَا مَعْرَضَةٍ لِقُبْحِ الْكَذِبِ شَرْعًا فَلَا يَجُوزُ فِيهِ وَلِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم {إنَّ فِي الْمَعَارِيضِ لَمَنْدُوحَةً عَنْ الْكَذِبِ} . وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه إنَّ فِي الْمَعَارِيضِ لَمَنْدُوحَةً أَنْ يَعِفَّ الرَّجُلُ عَنْ الْكَذِبِ وَعَنْهُ صلى الله عليه وسلم {لَمْ يَكْذِبْ مَنْ قَالَ خَيْرًا أَوْ أَصْلَحَ بَيْنَ اثْنَيْنِ} وَأَمَّا تَسْمِيَتُهُ كَذِبًا فِي مِثْلِ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم {لَا يَصْلُحُ الْكَذِبُ إلَّا فِي ثَلَاثَةِ مَوَاطِنَ الْحَرْبُ فَإِنَّهَا خُدْعَةٌ وَالرَّجُلُ يُصْلِحُ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَالرَّجُلُ يُرْضِي امْرَأَتَهُ} جَازَ {وَقَدْ قَالَ لَهُ صلى الله عليه وسلم شَيْخٌ إذْ تَطَرَّفَ مِمَّنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ مِنْ مَاءٍ وَعَنَى مَا يُخْلَقُ مِنْهُ الْإِنْسَانُ وَظَنَّ الشَّيْخُ قَبِيلَةً تُسَمَّى مَاءً وَرُوِيَ أَنَّهُ يَقُولُ أَمِنَ مَاءِ كَذَا أَوْ مَاءٍ وَتَرَكَهُ صلى الله عليه وسلم} . وَكَذَا قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنه فِي الْهِجْرَةِ لِمَنْ سَأَلَهُ مَنْ هَذَا مَعَكَ إنَّهُ هَادٍ يَهْدِينِي السَّبِيلَ يَعْنِي دِينَ اللَّهِ وَالسَّائِلُ يَظُنُّ طَرِيقَ الْأَرْضِ. وَرَوَى حُمَيْدٍ عَنْ أُمِّ كُلْثُومِ بِنْتِ عُقْبَةَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم {لَيْسَ الْكَاذِبُ مَنْ أَصْلَحَ بَيْنَ النَّاسِ فَقَالَ خَيْرًا أَوْ نَوَى خَيْرًا} وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم {الْمَكْرُ وَالْخَدِيعَةُ وَالْخِيَانَةُ فِي النَّارِ} . وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رضي الله عنه: ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كُنَّ عَلَيْهِ الْبَغْيُ وَالنَّكْثُ وَالْمَكْرُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {إنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ} وَقَالَ تَعَالَى {فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ} وَقَالَ {وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إلَّا بِأَهْلِهِ} وَقَالَ {وَمَا يَمْكُرُونَ إلَّا بِأَنْفُسِهِمْ} {وَمَا يَخْدَعُونَ إلَّا أَنْفُسَهُمْ} وَقَالَ {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاَللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} {وَقَدْ أَسْلَمَ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ عَامِرٍ الْغَطَفَانِيُّ يَوْمَ الْأَحْزَابِ - قُرَيْشٌ وَغَطَفَانُ وَقَبَائِلُ الْعَرَبِ وَبَنُو النَّضِيرِ - فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَسْلَمْتُ وَلَمْ يَعْلَمْ قَوْمِي بِإِسْلَامِي فَامُرْنِي بِمَا شِئْتَ فَقَالَ صلى الله عليه وسلم خَذِّلْ عَنَّا إنْ اسْتَطَعْتَ فَإِنَّ الْحَرْبَ خَدْعَةٌ} غ. فَخَرَجَ نُعَيْمٌ فَقَالَ لِبَنِي قُرَيْظَةَ وَكَانَ صَدِيقًا لَهُمْ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت