الصفحة 76 من 139

وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ يَعْنِي أَنَّهَا أُمُورٌ خَيَالِيَّةٌ قَلِيلَةُ النَّفْعِ سَرِيعَةُ الزَّوَالِ أَتْعَابٌ كَتَعْذِيبِ الْحَيَوَانِ وَمَلْعَبَةِ الصِّبْيَانِ فِي عَدَمِ الْفَائِدَةِ , وَلَهْوٌ يَلْهُونَ بِهِ أَنْفُسَهُمْ عَمَّا يُهِمُّهُمْ وَزِينَةٌ كَالْمَلَابِسِ الْحَسَنَةِ الْبَهِيَّةِ وَالْمَنَازِلِ الرَّفِيعَةِ وَتَفَاخُرٌ بِالْأَنْسَابِ وَتَكَاثُرٌ بِالْعَدَدِ فَإِنْ قِيلَ الدُّنْيَا رُبَّمَا تَكُونُ خَيْرًا كَكَوْنِ الْأَمْوَالِ مَصْرُوفَةً إلَى رِضَاهُ وَطَاعَاتِهِ وَكَوْنِ الْأَوْلَادِ مِنْ الْعِبَادَاتِ الْمُتَعَدِّيَةِ وَالْأَعْمَالِ الْغَيْرِ الْمُنْقَطِعَةِ قُلْنَا مُثِّلَ هَذَا بِالْعَوَارِضِ الْخَارِجِيَّةِ وَالْكَلَامِ إذَا خَلَا عَنْ الْعَوَارِضِ وَطَبْعُهُ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ (ت عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله تعالى عليه وسلم يَقُولُ {الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ} ) مَطْرُودَةٌ وَمَبْغُوضَةٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى , وَقِيلَ مَتْرُوكَةٌ مُبْعَدَةٌ ; لِأَنَّهَا غَرَّتْ النُّفُوسَ بِزَهْرَتِهَا , وَلَذَّتِهَا وَإِمَالَتِهَا عَنْ الْعُبُودِيَّةِ إلَى الْهَوَى حَتَّى سَلَكَتْ غَيْرَ طَرِيقِ الْهُدَى ( {مَلْعُونٌ مَا فِيهَا} ) مِنْ الشَّهَوَاتِ كَحُبِّ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ( {إلَّا ذِكْرَ اللَّهِ} ) أَيْ كُلَّ شَيْءٍ مُذَكِّرٍ لِلَّهِ تَعَالَى ( {وَمَا وَالَاهُ} ) أَيْ يُحِبُّهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْمُوَالَاةُ الْمَحَبَّةُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ , وَقَدْ تَكُونُ مِنْ وَاحِدٍ , وَهُوَ الْمُرَادُ يَعْنِي مَلْعُونٌ مَا فِي الدُّنْيَا إلَّا ذِكْرَ اللَّهِ وَمَا أَحَبَّهُ اللَّهُ مِمَّا يَجْرِي فِي الدُّنْيَا وَمَا سِوَاهُ مَلْعُونٌ ( {, وَعَالِمًا أَوْ مُتَعَلِّمًا} ) فَإِنَّ هَذِهِ مُسْتَثْنَيَاتٌ مِنْ أَعْمَالِ الْآخِرَةِ , وَفِي عَطْفِ عَالِمًا أَوْ مُتَعَلِّمًا بَعْدَ دُخُولِهِمَا فِي مَا وَالَاهُ عَلَى طَرِيقِ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ تَنْبِيهٌ عَلَى شَرَفِ الْعِلْمِ وَالتَّعْلِيمِ وَتَفْخِيمِ شَانِهِمَا , وَإِيذَانٌ بِأَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ سِوَاهُمَا هَمَجٌ , وَفِيهِ تَنْبِيهٌ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى هُنَا جَامِعُوا الْعِلْمَ وَالْعَمَلَ , وَفِيهِ أَيْضًا أَنَّ ذِكْرَ اللَّهِ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ وَرَاسُ كُلِّ الْعِبَادَةِ وَالْحَدِيثُ مِنْ كُنُوزِ الْحِكَمِ وَجَوَامِعِ الْكَلِمِ لِدَلَالَتِهِ بِالْمَنْطُوقِ عَلَى جَمِيعِ الْخِصَالِ الْحَمِيدَةِ وَبِالْمَفْهُومِ عَلَى رَذَائِلِهَا الْقَبِيحَةِ. وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ الدُّنْيَا كُلُّهَا مَتَاعٌ , وَهُوَ مَا لَيْسَ لَهُ بَقَاءٌ ; لِأَنَّ مَا خُلِقَ فِيهَا يُسْتَمْتَعُ بِهِ مَعَ حَقَارَتِهِ أَمَدًا قَلِيلًا ثُمَّ يَنْقَضِي وَخَيْرُ مَتَاعِهَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الِاسْتِمْتَاعَاتِ الدُّنْيَوِيَّةَ حَقِيرَةٌ , وَأَنَّهَا أَطْيَبُ حَلَالٍ فِي الدُّنْيَا لِحِفْظِهَا زَوْجَهَا مِنْ الْحَرَامِ , وَإِعَانَتِهَا عَلَى الْقِيَامِ بِالْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ ; وَلِكَوْنِهَا سَبَبًا لِلذَّرَارِيِّ الَّتِي هِيَ فِي حُكْمِ الْحَيَاةِ الْأَبَدِيَّةِ , وَفِيهِ تَنْبِيهٌ أَنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ صَالِحَةً كَانَتْ شَرَّ مَتَاعٍ , وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ {حُبِّبَ إلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمْ النِّسَاءُ وَالطِّيبُ} , وَأَيْضًا {الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ مَلْعُونٌ مَا فِيهَا إلَّا مَا كَانَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ} , وَأَيْضًا فِيهِ {الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ مَلْعُونٌ مَا فِيهَا إلَّا أَمْرًا بِمَعْرُوفٍ أَوْ نَهْيًا عَنْ مُنْكَرٍ أَوْ ذِكْرَ اللَّهِ} , وَأَيْضًا {الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ مَلْعُونٌ مَا فِيهَا إلَّا مَا اُبْتُغِيَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ تَعَالَى} قَدْ أَعْلَمَ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَالْأَرْبَعَةِ قَبْلَهُ أَنَّ الدُّنْيَا مَبْغُوضَةٌ إلَيْهِ تَعَالَى إلَّا مَا فِيهِ دَرْءُ مَفْسَدَةٍ أَوْ جَلْبُ مَنْفَعَةٍ فَالْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ يَنْدَفِعُ بِهَا مَفْسَدَةُ الزِّنَا , وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ جِمَاعُ الْمَنَافِعِ , وَالذِّكْرُ جِمَاعُ الْعِبَادَةِ وَمَنْشُورُ الْوِلَايَةِ وَالْكُلُّ يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ تَعَالَى , وَفِيهَا حُجَّةٌ لِمَنْ فَضَّلَ الْفَقْرَ عَلَى الْغِنَى قَالُوا ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَعَنَهَا , وَأَبْغَضَهَا إلَّا مَا كَانَ لَهُ فِيهَا وَمَنْ أَحَبَّ مَا لَعَنَهُ اللَّهُ تَعَالَى , وَأَبْغَضَهُ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِلَعْنَتِهِ وَغَضَبِهِ كَذَا فِي الْفَيْضِ لَا يَخْفَى أَنَّ مَنْ فَضَّلَ الْغَنِيَّ عَلَى الْفَقِيرِ بِاعْتِبَارِ كَوْنِ الْغَنِيِّ شَاكِرًا وَمِنْ جُمْلَةِ شُكْرِهِ جَعْلُ الدُّنْيَا وَسِيلَةً لِلْآخِرَةِ بِنَحْوِ الصَّدَقَةِ وَالصَّرْفِ إلَى وُجُوهِ الْخَيْرِ فَحِينَئِذٍ يَدْخُلُ فِي الْمُسْتَثْنَى فَلَا يَصْلُحُ حُجَّةً لَهُمْ قَالَ فِي شَرْحِ الْحِكَمِ , وَقِيلَ أَوْحَى اللَّهُ إلَى الدُّنْيَا أَنْ تَضَيَّقِي وَتَشَدَّدِي عَلَى أَوْلِيَائِي وَتَرَفَّهِي وَتَوَسَّعِي عَلَى أَعْدَائِي حَتَّى يَشْتَغِلُوا بِك عَنِّي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت