الصفحة 77 من 139

فَلَا يَتَفَرَّغُوا لِذِكْرِي , وَقَدْ سَمِعْت حَدِيثَ {يَا دُنْيَا اُخْدُمِي مَنْ خَدَمَنِي , وَأَتْعِبِي مَنْ خَدَمَك} . وَأَنْشَدَ أَبُو الثَّعَالِي شِعْرًا تَنَحَّ عَنْ الدُّنْيَا فَلَا تَخْطُبَنَّهَا وَلَا يَخْطُبَنَّ قِتَالَهُ مَنْ يُنَاكِحُ فَلَيْسَ يَفِي مَرْجُوُّهَا بِمَخُوفِهَا وَمَكْرُوهُهَا إمَّا تَأَمَّلْتَ رَاجِحُ (وَقَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَةِ) هِيَ الدَّارُ دَارُ الْأَذَى وَالْقَذَى وَدَارُ الْفَنَاءِ وَدَارُ الْعِبَرْ , وَلَوْ نُلْتَهَا بِحَذَافِيرِهَا لَمِتَّ وَلَمْ تَكُ تَقْضِي الْوَطَرْ أَيَا مَنْ يُؤَمِّلُ طُولَ الْبَقَاءِ وَطُولُ الْخُلُودِ عَلَيْهِ ضَرَرْ إذَا مَا كَبِرْتَ وَبَانَ الشَّبَابُ فَلَا خَيْرَ فِي الْعَيْشِ بَعْدَ الْكِبَرْ. وَقَالَ بَعْضُ الْبُلَغَاءِ دَارُ الدُّنْيَا كَأَحْلَامِ الْمَنَامِ وَسُرُورُهَا كَظِلِّ الْغَمَامِ وَأَحْدَاثُهَا كَصَوَائِبِ السِّهَامِ وَشَهَوَاتُهَا كَمَشُوبِ خَلْطِ السِّمَامِ وَفِتْنَتُهَا كَأَمْوَاجِ الْطَوَامِّ (ت عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ رضي الله تعالى عنه أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله تعالى عليه وسلم {لَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ} ) مَثَلٌ لِزِيَادَةِ الْقِلَّةِ وَغَايَةِ الْحَقَارَةِ ( {مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ} ) أَيْ لَا يُمَتِّعُهُ أَدْنَى تَمَتُّعٍ هَذَا أَعْدَلُ شَاهِدٍ عَلَى حَقَارَةِ الدُّنْيَا قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: أَدْنَى عَلَامَاتِ الْفَقِيرِ لَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا بِأَسْرِهَا لِوَاحِدٍ فَأَنْفَقَهَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ ثُمَّ خَطَرَ لَهُ أَنْ يُمْسِكَ مِنْهَا مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ لَمْ يَصْدُقْ عَلَيْهِ مَاهِيَّةُ الْفَقِيرِ , وَقَالَ عَلِيٌّ رضي الله تعالى عنه وَاَللَّهِ لَدُنْيَاكُمْ عِنْدِي أَهْوَنُ مِنْ عِرْقِ خِنْزِيرٍ فِي يَدِ مَجْذُومٍ , وَقَدْ قِيلَ وَمَنْ سَرَّهُ أَنْ لَا يَرَى مَا يَسُوءُهُ فَلَا يَتَّخِذْ شَيْئًا يَخَافُ لَهُ فَقْدًا. (دُنْيَا) ابْنِ أَبِي الدُّنْيَا (عَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّهُ قَالَ صلى الله تعالى عليه وسلم {لَا يُصِيبُ عَبْدٌ مِنْ الدُّنْيَا شَيْئًا} ) , وَلَوْ أَقَلَّ قَلِيلٍ فَإِنَّ التَّنْوِينَ لِلتَّقْلِيلِ وَالتَّحْقِيرِ بِقَرِينَةِ الْمَقَامِ ( {إلَّا نُقِصَ} ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ ( {مِنْ دَرَجَاتِهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى} ) لَفْظَةُ مِنْ لِلتَّبْعِيضِ ( {, وَإِنْ كَانَ} ) ذَلِكَ الْعَبْدُ قَبْلَ الْإِصَابَةِ ( {عَلَيْهِ} ) أَيْ عَلَى اللَّهِ ( {كَرِيمًا} ) مُكْرَمًا مَحْبُوبًا لَعَلَّ ذَلِكَ عِنْدَ عَدَمِ صَرْفِ مَا أَصَابَهُ إلَى رِضَاهُ تَعَالَى بَلْ يَتَلَذَّذُ بِمُبَاحَاتِهِ , وَقِيلَ هِيَ الدُّنْيَا أَقَلُّ مِنْ الْقَلِيلِ , وَعَاشِقُهَا أَذَلُّ مِنْ الذَّلِيلِ تَصُمُّ بِسِحْرِهَا قَوْمًا وَتُعْمِي فَهُمْ مُتَحَيِّرُونَ بِلَا دَلِيلِ (حَدّ) أَحْمَدُ (ز) الْبَزَّارُ (حب) ابْنُ حِبَّانَ (حك) الْحَاكِمُ (هق) الْبَيْهَقِيُّ (عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله تعالى عليه وسلم قَالَ {مَنْ أَحَبَّ دُنْيَاهُ أَضَرَّ بِآخِرَتِهِ} ) ; لِأَنَّ قَاعِدَةَ الْمَحَبَّةِ تَقْتَضِي اسْتِحْصَالَ شَهَوَاتِهَا وَالتَّوَجُّهَ إلَى مُيُولَاتِهَا فَلَا يَتَفَرَّغُ لِعَمَلِ الْآخِرَةِ وَمَنْ نَظَرَ إلَى فَنَاءِ الدُّنْيَا وَحِسَابِ حَلَالِهَا , وَعَذَابِ حَرَامِهَا وَشَاهَدَ بِنُورِ إيمَانِهِ جَمَالَ الْآخِرَةِ أَضَرَّ بِنَفْسِهِ فِي دُنْيَاهُ بِتَحَمُّلِ مَشَاقِّ الْعِبَادَاتِ وَتَجَنُّبِ الشَّهَوَاتِ فَصَبَرَ قَلِيلًا وَتَنَعَّمَ طَوِيلًا ; وَلِأَنَّ مَنْ أَحَبَّ دُنْيَاهُ شَغَلَتْهُ عَنْ تَفْرِيغِ قَلْبِهِ لِحُبِّ رَبِّهِ ; وَلِسَانِهِ لِذِكْرِهِ فَتَضُرُّ بِآخِرَتِهِ , وَلَا بُدَّ كَمَا أَنَّ مَحَبَّةَ الْآخِرَةِ تَضُرُّ بِالدُّنْيَا. وَلَا بُدَّ كَمَا قَالَ (وَمَنْ أَحَبَّ آخِرَتَهُ) بِتَحَمُّلِ مَا يَنْفَعُهُ فِيهَا (أَضَرَّ بِدُنْيَاهُ) أَيْ هُمَا كَكِفَّتَيْ الْمِيزَانِ فَإِذَا رَجَحَتْ إحْدَاهُمَا خَفَّتْ الْأُخْرَى وَكَالْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمُحَالٌ أَنْ يَظْفَرَ سَالِكُ طَرِيقِ الشَّرْقِ بِمَا يُوجَدُ فِي الْغَرْبِ وَكَالضَّرَّتَيْنِ إذَا رَضِيَتْ إحْدَاهُمَا سَخِطَتْ الْأُخْرَى فَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا لَا يَكَادُ يَكُونُ إلَّا لِمَنْ سَخَّرَهُ اللَّهُ لِتَدْبِيرِ خَلْقِهِ فِي مَعَاشِهِمْ وَمَعَادِهِمْ , وَهُمْ الْأَنْبِيَاءُ عليهم الصلاة والسلام. ( {فَآثِرْ} ) أَنْتَ ( {مَا يَبْقَى عَلَى مَا يَفْنَى} ) وَمَنْ أَحَبَّهَا صَيَّرَهَا غَايَتَهُ وَتَوَسَّلَ إلَيْهَا بِالْأَعْمَالِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ وَسَائِلَ إلَيْهِ , وَإِلَى الْآخِرَةِ فَعَكَسَ الْأَمْرَ , وَقَلَّتْ الْحِكْمَةُ فَانْتَكَسَ قَلْبُهُ , وَعَكَسَ قَضِيَّتَهُ إلَى وَرَائِهِ , وَهَذَا سِرٌّ مَنْكُوسٍ , وَقَلْبٌ مَعْكُوسٍ , وَقَالَ عَلِيٌّ رضي الله عنه الدُّنْيَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت