فهرس الكتاب
يُجْهِدُهما؛ فرأيتُه أفضل". وقال ابن الجوزي:"فالصلاةُ والصيامُ يجمعان سببين من هذه الثلاثة: عقد القلب وفعل البدن. والزكاة تجمع سببين: عقد القلب وإخراج المال. والحج يجمع الأركان الثلاثة؛ فبان فضله. ثم إنهاكه للبدن أشدُّ, وإجهادُه للمال أكثر" [1] ."
8.إظهار العُبوديّة والشُّكر لله تعالى على نعمه التي لا نعرف لها حدًّا ولا نُحصِيها عدًّا، كما قال الكاساني رحمه الله:"وَفِي الْحَجِّ إظْهَارُ الْعُبُودِيَّةِ، وَشُكْرُ النِّعْمَةِ، أَمَّا إظْهَارُ الْعُبُودِيَّةِ؛ فَلِأَنَّ إظْهَارَ الْعُبُودِيَّةِ هُوَ إظْهَارُ التَّذَلُّلِ لِلْمَعْبُودِ، وَفِي الْحَجِّ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْحَاجَّ فِي حَالِ إحْرَامِهِ يُظْهِرُ الشَّعَثَ، وَيَرْفُضُ أَسْبَابَ التَّزَيُّنِ، وَالِارْتِفَاقِ، وَيَتَصَوَّرُ بِصُورَةِ عَبْدٍ سَخِطَ عَلَيْهِ مَوْلَاهُ، فَيَتَعَرَّضُ بِسُوءِ حَالِهِ لِعَطْفِ مَوْلَاهُ، وَمَرْحَمَتِهِ إيَّاهُ، وَفِي حَالِ وُقُوفِهِ بِعَرَفَةَ بِمَنْزِلَةِ عَبْدٍ عَصَى مَوْلَاهُ فَوَقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ مُتَضَرِّعًا حَامِدًا لَهُ مُثْنِيًا عَلَيْهِ مُسْتَغْفِرًا لِزَلَّاتِهِ مُسْتَقِيلًا لِعَثَرَاتِهِ، وَبِالطَّوَافِ حَوْلَ الْبَيْتِ يُلَازِمُ الْمَكَانَ الْمَنْسُوبَ إلَى رَبِّهِ بِمَنْزِلَةِ عَبْدٍ مُعْتَكِفٍ عَلَى بَابِ مَوْلَاهُ لَائِذٍ بِجَنَابِهِ."
وَأَمَّا شُكْرُ النِّعْمَةِ؛ فَلِأَنَّ الْعِبَادَاتِ بَعْضُهَا بَدَنِيَّةٌ، وَبَعْضُهَا مَالِيَّةٌ، وَالْحَجُّ عِبَادَةٌ لَا تَقُومُ إلَّا بِالْبَدَنِ، وَالْمَالِ؛ وَلِهَذَا لَا يَجِبُ إلَّا عِنْدَ وُجُودِ الْمَالِ وَصِحَّةِ الْبَدَنِ، فَكَانَ فِيهِ شُكْرُ النِّعْمَتَيْنِ، وَشُكْرُ لنِّعْمَةِ لَيْسَ إلَّا اسْتِعْمَالُهَا فِي طَاعَةِ الْمُنْعِمِ، وَشُكْرُ النِّعْمَةِ وَاجِبٌ عَقْلًا، وَشَرْعًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ً" [2] ."
9.إظهارُ وحدةِ المسلمين بدينهم الذي يجمعهم على اختلافِ بلدانِهم وأنسابِهم؛ تأكيدًا للدِّينِ المقدَّم على اللغة والجنس واللون والعُرف والنسب والقبيلة. وللمرءِ أن يتساءلَ عن فقهِنا لمعاني شعيرة الحجّ:"هل بدا واقعُ المسلمين بارزًا فيه صَدَى الحج؟ تلك العبادة التي تمزُج بين قلوبِ المسلمين وترسِّخ فيها وحدةَ الشعورِ ثمرةً لوِحدة الشعيرة. هل بدا كذلك؟ وهل تزوَّدَ المسلمون مِن زادِ الحجِّ وعاشُوا حُكْمَه وهم يُطبِّقُون أحكامَهُ على وجهٍ مشروعٍ مسنونٍ؟ هل تحرَّكَ ذلك الموكبُ مِن ذوي الرِّداءِ الأبيضِ الناصعِ بين المشاعرِ شامةً تُزِينُ الأرضَ يُباهِي بها الرحمن ملائكته حجيجًا مُترابِطي القلوبِ مُسلِمين على منهجِ الله؟ هل بدتْ حِكَمُ الحجِّ العظيمةُ وآثارُه الجليلةُ مُتحرِّكةً مع ذلك الموكبِ تنطِقُ بها جوارِحُ الحَجِيجِ وتبدُو شاخِصةً في مناسِكِهم؟" [3] .
(1) - مثير الغرام الساكن لأشرف الأماكن. ص 31
(2) - بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع - (ج 4 / ص 343)
(3) - افتتاحية مجلة البيان عدد 112 (الحج بين الواجب والواقع) .