الصفحة 56 من 367

والسّيئات؛ ومِن هنا عَدَّ العلماءُ مِن آدابِ الحج"أن يلتمسَ رفيقًا صالحًا, مُحِبًّا للخير مُعِينًا عليه؛ إن نسي ذكَّرَه وإنْ ذكَرَ أعانه, وإن جَبُنَ شجَّعه وإنْ عَجَزَ قوّاه, وإن ضاق صدره صبّره فقد نهى صلى الله عليه وسلم أن يسافر الرجل وحده وجاء عنه صلى الله عليه وسلم أنّ (الْوَاحِدُ شَيْطَانٌ، وَالاثْنَانِ شَيْطَانَانِ، وَالثَّلاثَةُ رَكْبٌ) فلا يخرج إلا في ركب". [1] وقد روى ابن الجوزي عن مخوّل قال:"جاءني بهيم ـ يعني العجلي ـ فقال لي: أتعلم لي رجلًا من جيرانك أو إخوانك يريد الحج ترضاه يرافقني؟ قلت: نعم. فذهبت به إلى رجل من الحيّ له صلاح ودين فجمعت بينهما, وتوَاطَآ على المرافقة. ثم انطلق بهيم إلى أهله, فلما كان بعد أتاني الرجل فقال: يا هذا أحب أن تَزوِي عني صاحبك وتطلب رفيقًا غيري. فقلت: لِمَ؟ والله ما أعلم بالكوفة له نظيرًا في حسن الخلق والاحتمال. فقال: ويحك! حُدّثت أنه طويل البكاء لا يكاد يفتر, فهذا ينغِّص علينا العيش. فقلت: ويحك إنما يكون البكاء أحيانًا عند التذكرة, أو ما تبكي أنت؟ قال: بلى, ولكن قد بلغني عنه أمرٌ عظيمٌ من كثرة بكائه. قلت: اصحبه فلعلك أن تنتفع به. فقال: أستخير الله. فلما كان في اليوم الذي أراد أن يخرجا فيه جيء بالإبل ووُطِّئ لهما, فجلس بهيم في ظل حائط فوضع يده تحت لحيته فجعلتْ دموعه تسيل على خدّيه ثم على لحيته ثم على صدره حتى والله رأيت دموعه على الأرض. فقال لي: يا مخوّل قد ابتدأ صاحبك ليس هذا برفيق. فقلت: ارفق؛ لعله ذكر عياله ومفارقته إياهم. وسمعهما بهيم فقال: يا أخي والله ما هو ذاك وما هو إلا أني ذكرتُ بها الرحلة إلى الدار الآخرة, وعلا صوتُه بالنحيب! فقال لي صاحبي: ما هو بأولِ عداوتِك لي, ما لي ولبهيم؟ إنما كان ينبغي أن ترافق بين بهيم وبين داود الطائي وسلام أبي الأحوص, حتى يبكي بعضُهم إلى بعضٍ فيشفون أو يموتون! فلم أزلْ أرفقُ به, وقلت له: ويحك لعلَّها خيرُ سفرةٍ سافرْتَها. وكلُّ ذلك لا يعلم به بهيم ولو علم ما صاحَبَهُ. فخرجا وحَجَّا ورجعا, فلما جئتُ أسلِّمُ على جاري قال لي: جزاك الله عني يا أخي خيرًا ما ظننت أنّ في الخلق مثل أبي بكر؛ كان والله يتفضّل عليّ في النفقة وهو معدومٌ وأنا مُوسِرٌ, وفي الخدمة وأنا شابٌ وهو شيخٌ, ويطبخ لي وأنا مُفطِرٌ وهو صائم. فقلتُ: وكيف كان أمرُك معه في الذي كنت تكرهه من طولِ بكائه؟ قال: ألِفْتُ واللهِ ذلك البكاء, وسُرَّ قلبي حتى كنت أساعِدُه عليه, حتى تأذّى بنا الرُّفْقة، ثم ألِفوا ذلك,"

(1) - رحلة الصّدّيق ص 36.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت