الصفحة 57 من 367

فجعلوا إذا سمعونا نبكي يبكون, وجعل بعضهم يقول لبعض: ما الذي جعلهم أولى بالبكاء منّا والمصيرُ واحدٌ؟ فيبكون ونبكي. ثم خرجت من عنده, فأتيتُ بهيمًا وقلتُ: كيف رأيتَ صاحبَك؟ قال: كخيرِ صاحب, كثير الذكر لله طويل التلاوة سريع الدمعة جزاك الله عني خيرا". [1] "

22.تعرّض الصالحين لدعوة الحجيج التائبين إلى ربهم المتضرِّعين في مواطنَ يجاب فيها الدعاء لاسيما في عرفات والملتزم. ورحم الله الشيخ صديق حسن خان حيث قال:"لما استسعدت بالتزام الملتزم, تمثلتُ بهذه الأبيات, وأرجو من الله قبولها:"

أسِيرُ الخطايا عند بابِك واقِفُ ... على وَجَلٍ مما به أنتَ عارفُ

يخاف ذُنوبًا لم يَغِبْ عنك غيبُها ويرجوك فيها فهو راجٍ وخائفُ

ومن ذا الذي يُرجى سواك ويُتّقى ومالك في فصل القضاء مُخالِفُ

فيا سيِّدي لا تُخْزِني في صحيفتي إذا نُشِرتْ يومَ الحساب الصحائفُ

وكُن مؤنِسِي في ظلمةِ القبرِ عندما يَصُدُّ ذوو القُربى ويَجْفُو الموالِفُ

لئن ضاقَ عني عفوُك الواسعُ الذي أُرَجِّي لإسرافِي فإنِّيَ تالفُ [2]

وقد حكى ابن الجوزي رحمه الله عن محمد بن داود الدينوري قال: حدثني أبو الحسن اللؤلؤي وكان خيِّرًا فاضلًا قال: كنت في البحر فانكسرت المركبُ وغرق كل ما فيه, وكان في وطائي لؤلؤ قيمته أربعة آلاف دينار. وقربت أيام الحج وخِفتُ الفَوات, فلما سلّم الله عز وجل بِرُوحي ونجّاني من الغرق مشيت, فقال لي جماعة كانوا في المركب: لو وقفت عسى أن يجيء من يخرج شيئًا فيخرج لك من رحلك شيئًا. فقلت: قد علم الله ما مرّ مني, وكان في وطائي شيء قيمته أربعة آلاف دينار, وما كنت بالذي أُوثِرُه على وقفةٍ بعرفة. فقالوا: وما الذي ورّثك هذا؟ فقلت: أنا رجلٌ مُولَعٌ بالحج, أطلب الربح والثواب, حججتُ في بعض السنين وعطشتُ عطشًا شديدًا, فأجلستُ عَدِيلي في وسط المحمل, ونزلتُ أطلب الماء والناسُ عطشى. فلم أزل أسأل رجلًا رجلًا محملًا محملًا: معكم ماء, وإذا الناس شَرْعٌ واحدٌ, حتى صِرت في ساقةِ القافلة بميل أو ميلين. فمررتُ بمصنعٍ مُصَهْرج, فإذا رجلٌ فقيرٌ جالس في أرض المصنع وقد غرز عصاه في أرض المصنع, والماء

(1) - مثير الغرام 39 - 40.

(2) - رحلة الصديق ص 99.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت