فهرس الكتاب
ولم يرتدعْ مثيرو الفتنة،وتمادوا في غيهم حتى نجحت فتنتُهم في بعض الأمصار،فخلعوا واليَ الكوفة،ونجح الثائرون في مصر في خلع واليهم والاستيلاءِ عليها،وجهَّزوا لزحفهم الأول على المدينة الذي تبدد أمام موقف الخليفة العظيم وحكمته.
بدأت نُذُرُ السخط على عثمان تتجمع في العراق،وظهرت بذور الشر أول ما ظهرت في الكوفة،تلك المدينة التي أعْيَتْ من قبلُ عمرَ بنَ الخطاب،وكَثُرت اعتراضات أهلها على ولاتهم في عصره...
وغلب الشرُّ بهذه المدينةِ محاولات عثمانَ لعلاج الخللِ الاجتماعيِّ بها بتفضيل أهل السابقة والفضل وتقديمهم على من سواهم واختصاصهم بمجلسه،فكَثُر الكلام عن الوالي سعيد بن العاص والخليفةِ على ألسنة العوامِّ،أولئك البدو الذين دانوا بالإسلام حديثا،ولم يتأدبوا بمنهجه.
وظهرت بوادر الفتنة في دار الإمارة بمجلس أميرِهم سعيد بن العاص،عندما أثار بعضُهم فتنةً لأسباب واهيةٍ،مما كاد يهدد بالاقتتال بين مختلف القبائل،فأقسم سعيد ـ الذي نجح في تهدئة الأمور ـ ألا يجالسه هؤلاء السفهاءُ مرةً أخرى؛ فلما انقطع رجاؤهم من مجلس سعيد قعدوا في بيوتهم يذيعون الاتهاماتِ له ولعثمانَ،حتى لامه أهل الكوفة في أمرهم وتركِه إياهم،فاعتذر إليهم بأن الخليفة أَمَرَه ألا يحرك ساكنا في هذه الفتنة،فكتب أشراف أهل الكوفة إلى الخليفة يطلبون إخراجَ هؤلاء النفر من قادة الشغب عن الكوفة،فسيَّرهم عثمان إلى الشام وبها معاوية بن أبي سفيان. واختُلف في أمرهم بعد ذلك،فقيل: إنهم أظهروا صلاحا بعد مدة من استصلاح معاوية لهم،وقيل: بل تمادوا في غيهم وأحقادهم على قريش وما آلت إليه من عزٍّ وسؤْددٍ وغنى وثروة مما لم تنلْه قبائلُهم؛ فأعيا أمرُهم معاوية فأخرجهم من دمشق،وأوكل بهم عامله على حِمْصَ عبدَ الرحمنِ بنَ خالدٍ بنِ الوليدِ،فعنَّفهم حتى استقاموا،وأعلنوا توبتهم،وآثروا الإقامة بجواره،وكان ذلك سنة ثلاث وثلاثين للهجرة.
ظل عبد الله بن عامر واليا على البصرة كخير أمير في ولايته،يرفق بهم،ويسهر على راحتهم،ويذلل لهم الصعاب،إلى أن شكا المسلمون وأهل الذمة على السواء من حُكَيْم بن جبلة وكان لصًا خطيرًا أفسد في الأرض حتى وصلت شكواهم إلى أمير المؤمنين،فأمر عبدَ الله بن عامر بحبسه،ومن كان مثلَه فلا يخرجنَّ من البصرة حتى يُؤْنَسَ منه رشدٌ وتوبة،فحبسه فكان لا يستطيع أن يخرج منها.
وبعد مضي ثلاث سنين من إمارة ابن عامر،وفي أثناء تنقل ابن سبأ بين الأمصار قدم البصرة،ونزل على هذا اللص عند قبيلته عبد القيس،واجتمع إلى ابن سبأ نفر فأخذ يبث فيهم سمومَه،ويطرح لهم أفكاره ولم يصرحْ،فقبلوا منه واستعظموه،وتبع مذهبَه قومٌ منهم لهم قلوبٌ لا يفقهون بها،وكثيرٌ ممن طاشت عقولهم ...
وبلغ ابنَ عامر أن في عبد القيس رجلا نازلا على اللص المفسد حُكَيْم بن جبلة،فأرسل إليه وسأله: ما أنت؟ فأخبره أنه رجل من أهل الكتاب،رغب في الإسلام،ورغب في جوارك. فقال: ما يبلغني