فهرس الكتاب
ذلك،اخرج عني،فخرج حتى أتى الكوفةَ،فأُخرِج منها فاستقر بمصر،وجعل يكاتبهم ويكاتبونه في البصرة والكوفة،ويتردد الرجال بينهم في كل بلد طُرِد منها ولا يستطيع دخولها.
كثير من الناس ينتظرون أن يحصدوا ثمار قرابتهم أو معرفتهم بالسلاطين والأمراء في صور مختلفة،أولها أن يضعوهم في المناصب العالية،ولو لم تكن عندهم القدرات والمواهب اللازمة لذلك،فإذا لم تتحقق آمالُهم انقلبوا أعداء شرسين لأصحاب السلطة،ليس مناصرةً للحق،ولكن حقدا وحزنا على آمالهم التي تبخرت!!
وقد كان هذا هو موقف محمد بن أبي حذيفة من أمير المؤمنين عثمان بن عفان،فقد مات والدُه أبو حذيفة بن عتبة شهيدا في العام الحادي عشر من الهجرة يوم اليمامة،فحَنَا عليه عثمانُ وكفله يتيما،ورباه في كَنَفِه،وحفظ فيه ذكرى أبيه الشهيد،فلما شب محمد أطمعَه رفقُ عثمان الذي كان قد تولى الخلافة،فسأله أن يوليه بعض المناصب،لكن الخليفة الراشد لم يره أهلا لذلك،فكان أنْ أعلن محمدُ بن أبي حذيفة الحرب على عثمان،وأخذ يؤلِّب الناس في مصر ضده.
وكذا فعل محمد بن أبي بكر،ذلك الرجل الذي كان أبوه أكبرَ مَنْ خَدَمَ الإسلامَ مع رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ وسكَّن فتنة الردة،وحفظ الله به الدين في أول تجربة صعبة للمسلمين بعد وفاة رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - .
ذهب محمد ومحمد إلى مصر ليؤلِّبا القبائلَ العربية هناك على عثمان،ولم يمنعْهما من ذلك ما كان فيه أهلُ مصر من جهاد الروم في موقعة ذات الصواري سنة إحدى وثلاثين من الهجرة،فأخذا يحرِّضان الناسَ حتى أفسدا أهلَ تلك الغزوة،وعابا عثمان أشد العيب،فأرسل عبدُ الله بنُ سعد إليهما ينهاهما أشدَّ النهي،وكتب إلى عثمان بخبرهما:"إن محمدا قد أفسدَ عليَّ البلاد هو ومحمد بن أبي بكر"،فرد عليه عثمان:"أما ابن أبي بكر فإنه يوهب لأبيه وعائشة،وأما ابن أبي حذيفة فإنه ابني وابن أخي وربيبي وهو فرخ قريش". فكتب إليه ابن سعد:"إن هذا الفرخ قد استوى ريشُه ولم يبق إلا أن يطير"!
وتواصل في مصر مع ذلك دور بعض المشبوهين من أهل الكتاب ممن انْدسُّوا في صفوف المسلمين،وربما كان على رأسهم هذا الشخصُ الغامضُ ابنُ سبأ،ونجح هؤلاء في التأثير على القبائل اليمنية التي جاءت في الجيش الفاتح لمصر. وراسل هؤلاء المشبوهون أتباعَهم ومَنْ انْخدع بهم في الكوفة والبصرة.
وفي سنة خمس وثلاثين من الهجرة كانت الشائعات حول الخليفة وولاتِه قد تردَّدت في نواحي الدولة الإسلامية،حتى وصلت إلى المدينة نفسِها،وكان المثيرون للفتنة طائفتين هما: